الإعلام الحكومي يفقد ثقة أعلى سلطة في مصر

تبدو علاقة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بإعلام بلاده شائكة ومعقدة، فبينما يبدي اهتماما بإعطاء تصريحات وحوارات للصحف القومية ويبتعد كليا عن الصحف الخاصة، إلا أنه لا يمنح هذه الثقة للإعلام الرسمي، وقد أجرى جميع مداخلاته الهاتفية منذ توليه المنصب، مع قنوات خاصة، بعيدًا عن التلفزيون الرسمي.
الاثنين 2017/01/23
الولاء يفسد مصداقية الصحافة

القاهرة - لم يظهر التناغم بين الإعلام المصري والرئيس عبدالفتاح السيسي، حتى الآن، فبينما يحاول السيسي أن يكون له ظهير إعلامي -“حكومي وخاص”- يسعى من خلاله إلى تأسيس ذراع قوية للدفاع عن مشروعه السياسي، ورؤيته في الحكم داخليّا وخارجيّا، وإيصال رسائله، فإنه من ناحية أخرى “يضيق صدره سريعًا” من الإعلام.

ويبدو جليا خلال الأشهر الأخيرة أن السيسي يتعمد اختيار الصحافة القومية (الأهرام/ الأخبار/ الجمهورية)، لمخاطبة الرأي العام الخارجي، ويتحاور لساعات مع رؤساء تحريرها بالقصر الرئاسي، وذلك على فترات قصيرة لا تتعدى الشهرين أو الثلاثة، في حين أنه لم يقم بذلك ولو مرة واحدة مع الصحف الخاصة، ما يفسّره البعض في كل مرة، بأن الاختيار نابع من كون السيسي يثق في مكانة وقيمة صحافة الدولة فقط.

لكن يختلف الأمر بالنسبة إلى التلفزيون، حيث يبدو السيسي غير واثق في إعلام الدولة تمامًا، وقد أجرى جميع مداخلاته الهاتفية منذ توليه المنصب، مع قنوات خاصة، بعيدًا عن التلفزيون الرسمي “اتحاد الإذاعة والتلفزيون”، الذي تقتصر مهمته في الرئاسة على حضور المؤتمرات، وافتتاح المشروعات، وتغطية اللقاءات الرسمية، ما يفسره البعض بأن التلفزيون الرسمي فقد ثقة السيسي بعد الأخطاء الكارثية التي وقع فيها الفترة الماضية.

ورأى مراقبون أن السيسي يبحث عن منابر إعلامية معتدلة، للتحدث من خلالها للجمهور، بشرط ألا تسبب له أزمات سياسية، فالصحافة الحكومية متوازنة، وتتمتع بقاعدة عريضة من المصداقية لدى رجل الشارع، كما أنها لم تتحول بعد، مثلما تحولت صحف خاصة، إلى منصات للنيل من دول وأنظمة عربية ودولية لخلافها مع النظام المصري.

وقال محمود خليل، أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة القاهرة، إن الكثير من الصحف الخاصة أصبحت تدافع عن النظام وتؤيده أكثر من الصحف الحكومية نفسها، وفي الكثير من موضوعاتها تظهر أكثر ولاءً للرئيس من رؤساء تحرير صحف الدولة، وبالتالي تدفع تلك الصحف فاتورة باهظة حاليًا، بتجنب التحاور معها، خوفًا من اعتبارها منصات إعلامية يلجأ إليها السيسي.

غالبية الصحف الخاصة تدافع عن النظام وتؤيده أكثر من الصحف الحكومية نفسها، فتدفع الفاتورة بتجنب السيسي التحاور معها

وأضاف خليل، في تصريحات لـ”العرب”، أن الصحافة الحكومية نافذة للشارع بقوة، وما زالت تتصدر المشهد من خلال نسب التوزيع المرتفعة، والاتزان في طرح الموضوعات، وعدم الدخول في صدامات إعلامية مع مؤسسات ودول خارجية، فالسيسي لا يبحث في حواراته عن طبيعة نمط الملكية “حكومية أو خاصة”، بقدر ما يبحث عن الأكثر تأثيرًا في الداخل والخارج.

وأشار خليل إلى أن السيسي يتعمد أن يكون متوازنًا في التعامل مع الإعلام، فهو يختار الصحافة القومية في الحوارات، والتلفزيون الخاص في المداخلات الهاتفية، لأن تلفزيون الدولة فقد بريقه لأسباب كثيرة، تتعلق بالترهل الإداري، والسير على خط واحد، وغياب نسب المشاهدة، في حين تظل القنوات الخاصة أكثر تأثيرًا ونفاذا.

وأشار المراقبون إلى أن السيسي يريد الخروج لمخاطبة الداخل والخارج، من خلال منابر إعلامية “تحمل صبغة التوازن بين المعارضة والتأييد”، بعيدا عن المنابر التي تتحدث بلسانه وتدافع عنه باستمرار، مثل تلفزيون الدولة، ما جعلها بعيدة عن المشاهدة، والدليل على ذلك أنه يجري مداخلاته مع برامج تلفزيونية في قنوات خاصة، أثناء هجوم مقدميها على الحكومة والنظام، وحدث ذلك 3 مرات مع الإعلامي عمرو أديب، ومرتين مع الإعلامي أسامة كمال.

يضاف إلى ذلك أن كثرة لقاءات السيسي مع صحف الدولة (3 مرات) ومداخلاته مع برامج خاصة (5 مرات)، تكشف عن المكانة التي يحتلها الخطاب الإعلامي في أجندته، حتى كأنه أصبح يعول على الظهير الإعلامي، ليكون بمثابة حزب الرئيس أو “الظهير السياسي” له، وربما أراد بذلك أن يعوّض من خلال الإعلام غيابه عن لقاءات فئات أخرى يتجنبها لسبب أو لآخر، وأن يبقى المجتمع في صورة المشكلات والتحديات التي تواجهه، ويستثمر التعبئة الإعلامية لكي يبقي على الأمل عند الناس.

ويرى متابعون أن هذا التواصل مع الإعلام واعتباره أساسيّا على أجندته في الحكم، طغيا على تواصله مع قطاعات حيوية أخرى في المجتمع، لكن ما يبرر ذلك أنه خلال اللقاءات الإعلامية يرسل ولا يستقبل، بمعنى أنه يبلغ آراءه وأفكاره إلى الرأي العام، وهذا شيء مهم، لكن ذلك لا يوفر فرصة مناقشته في تلك الأفكار وتمحيصها، ما يؤشر على أنه لا يريد الاستقبال في الوقت الراهن.

وكثيرًا ما هاجم السيسي وسائل الإعلام بشكل صريح في أكثر من مناسبة، وقال إنها جزء من المشكلات التي تواجه الدولة المصرية على الصعيد المحلي أو الدولي، سواء في أزمة سد النهضة الإثيوبي، أو في ما يتعلق بقضية مقتل الطالب الإيطالي ريجيني في القاهرة يناير الماضي، أو حتى بخصوص تأجيج غضب البعض من الدول التي تسعى مصر لترميم العلاقة معها.

وقال مكرم محمد أحمد، نقيب الصحافيين الأسبق لـ”العرب”، إن السيسي يسعى لتشكيل رأي عام متوازن، وأن يتخذ من الصحافة الحكومية والفضائيات الخاصة منبرًا لذلك، وفي كل مرة يبحث عن المنبر الأكثر تأثيرا في الناس، فالصحافة الخاصة تعج بالأزمات والمشكلات ولم يعد لها بريق، بعكس الصحافة الحكومية التي بدأت تصعد بقوة ولم تتأثر بالأزمات الاقتصادية والمالية.

وأضاف “أرفض إقصاء الصحافة الخاصة من هذا المشهد، لأن السيسي بحاجة إلى كل الإعلام ليكون ظهيرًا قويّا للدولة حتى تحقق أهدافها، وكثرة إقصاء التلفزيون الحكومي من المشهد تعجّل بوفاته”.

‏‫ وأوضح خبراء إعلاميون أن السيسي يتعمد الابتعاد عن الإعلام الذي قد يورطه، سواء تلك الوجوه التي تثير غضب الشارع من شدة تأييدها للنظام، أو التي تمجد شخصه على طول الخط، وتدافع عنه باستماتة ضد كل من يخالفه الرأي وينتقد خطط النظام وحكومته على المستوى

الداخلي أو الخارجي، وهذا ما يرفضه، لا سيما إذا تسبب بعض الإعلاميين في توريط السياسة الخارجية المصرية مع البعض من الدول.

18