الإعلام.. الحلقة الأضعف في رؤية التغيير السعودية

وزير الإعلام السعودي الجديد لا يمتلك ترف الوقت وعليه أن يتحرك سريعا، والإعلام السعودي أسير خطاب جامد تعوزه المرونة والرشاقة ولغة العصر.
الأربعاء 2019/01/09
حاجة إلى صورة واضحة وخطاب معاصر

الإعلام اليوم بمختلف وسائطه ومنصاته وآلياته، من أكثر الوسائل تأثيرا وانتشارا وانفتاحا، لذلك فالثورة الحقيقية هي تلك التي يقودها الإعلاميون وتنطلق من الإعلام وبالإعلام، لكن لا يبدو أن هذه القاعدة تنطبق على ما تشهده السعودية اليوم، حيث لا يزال الخطاب الإعلامي متخلفا عن الطموحات التي بشّرت بها إدارة الحكم في السعودية. أصبحت التحديات المتزايدة التي تواجهها وسائل الإعلام السعودية موضوعا رئيسيا للنقاش والحديث عن أن هذا المجال بحاجة إلى استراتيجية لتحسين استخدام المعلومات، خاصة تلك التي تتعلق بالتواصل الخارجي.

الرياض - في خضم حركية كبيرة تشهدها المملكة العربية السعودية، وفي ظل الأضواء المسلطة عليها من جهات مختلفة وحملات مضادة كثيرة، جاءت احتفالية الرياض عاصمة للإعلام العربي، حدثا مهما في دلالته وتوقيته، وعلى مستوى تطلعاته والوعود التي جاءت في احتفالية الافتتاح، وهي وعود تحتاج أن تتحول إلى وقائع ملموسة ومؤثرة، تضع الإعلام في صدارة مدفع التغيير. فلا يكفي اختيار الرياض عاصمة للإعلام العربي لهذا العام، بل يجب أن تكون العاصمة السعودية في بؤرة الاهتمام الإعلامي العربي والعالمي، قولا وفعلا بما يتناسب مع ثقلها.

ويشهد التاريخ أن للسعوديين دورا هاما في ثورة الإعلام العربي، مكتوبا، ثم مرئيا من خلال ثورة الفضائيات التي تختلف عن الشاشة الوطنية، ثم الباقات الفضائيات الخاصة المتخصصة. وحققت وسائل الإعلام السعودية تواجدا قويا، لكنها فشلت في وقت لاحق في تلبية التوقعات. ومع مرور الوقت وتوسع السوق، انقسم الإعلام السعودي إلى إعلام داخلي مغرق في المحلية، وإعلام خارجي؛ فضائيات تبث من خارج السعودية وبمذيعين وموظفين من مختلف الجنسيات.

لذلك، عندما فتحت السعودية باب الإصلاحات وأعلنت عن رؤيتها 2030، لم تجد إعلاما يكون مرآتها التي تعكس التغيرات التي تطرأ عليها والفكر الذي تعبر عنه، ولا يزال الخطاب متخلفا بخطوات عن الطموحات التي بشّرت بها إدارة الحكم في السعودية، وسط تساؤلات كبرى يطرحها الخبراء والمتابعون عن أسباب تأخر الأداء الإعلامي السعودي وهل كانت السعودية تغفل الاهتمام بالإعلام عن عمد أم أنها لم تكن تمتلك استراتيجية للاستقطاب والتأثير بالرغم من الاعتمادات الكبيرة التي ترصدها؟ وهل يمكن التدارك خاصة مع وجود رغبة سياسية قوية في فرض وجود السعودية في المشهد الدولي بما يتماشى مع حجمها الاقتصادي والنفطي والاستراتيجي؟

خطاب تقليدي

سعود الريس: الإعلام في السعودية رغم ريادته إلا أنه بلا تأثير
سعود الريس: الإعلام في السعودية رغم ريادته إلا أنه بلا تأثير

فيما تكثر الأدبيات والفعاليات المتعلقة برؤية 2030، وفيما يقدم ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان خطابا تنويريا عدّ “صاعقا” وفق معطيات تاريخ البلاد الحديث، يبقى الإعلام السعودي، سواء في نسخته الرسمية العامة، أو نسخته الخارجية التي تعمل وفق آليات القطاع الخاص، أسير خطاب خشبي تعوزه المرونة والرشاقة ولغة العصر.

ويراقب المهتمون بالشأن السعودي مجموعة من الإجراءات والتعيينات التي طالت أجهزة الإعلام الرسمي والخاص السعودي خلال السنوات الأخيرة، وأحدثها تلك التي طالت وزارة الإعلام وقناتي العربية والحدث، أو تلك التي أتت في نوفمبر 2017 بالصحافي السعودي المخضرم داود الشريان على رأس هيئة الإذاعة والتلفزيون.

غير أن ما هو منتظر مازال محل انتظار، على الرغم من أن من تم تعيينهم مؤخرا أو قبل سنوات يتمتعون بكفاءات مهنية عالية مشهود لها، وعلى الرغم من أن السعودية تحظى بإمبراطورية إعلامية متعددة الاختصاصات ذات إمكانيات مالية هائلة، إلا أن حالة الارتباك التي عكسها أداء الإعلام السعودي، في أكثر من مناسبة، لا تشبه التحديث الثوري الذي طال ملفات أكثر جمادا وتحجرا في تركيبة الدولة والمجتمع السعوديين.

ويلاحظ الخبراء أن الإعلام السعودي ينجر صوب الاستسهال واللجوء إلى الإعلام الاجتماعي للرد على جيوش إلكترونية نشطت في مهاجمة المملكة وخياراتها، خصوصا من قبل منابر قطر وتركيا. ويرى هؤلاء أنه لا يمكن لإعلام دولة كبرى وأساسية في المنطقة ولها دور دولي كبير، أن يجعل من تلك التقنيات واجهة إعلامية للدفاع عن خيارات البلاد. ولا يمكن الركون إلى هذا النوع من الإعلام لأنه مفتوح على كل الاحتمالات، وهو إعلام انطباعي يميل إلى المبالغة وفي أحيان كثيرة ينزلق إلى معارك لا تخدم المشروع الإصلاحي، وقد تسيء إليه.

ويكثر همس كثير داخل القطاع الإعلامي حول تخبط الإعلام السعودي داخل دائرة تقليدية لم يستطع تجاوزها. ويعلو ذلك الهمس ليتحول إلى تعبير عن امتعاض من ذلك الإخفاق الذي سجله الإعلام السعودي في الدفاع عن ملفات المملكة كما التصدي للتحديات الخطيرة التي واجهتها.

وإذا ما كانت الحرب في اليمن وقضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي من الواجهات الأساسية التي كان على الإعلام السعودي أن يكون فعالا خلاقا رشيقا في التعامل معها، إلا أن الأمثلة تكثر ولا تنتهي حول الحالات التي بدا بها الإعلام السعودي متلعثما ومرتبكا وفاقدا لزمام المبادرة.

إعلام محترف

تغييرات جذرية

  • إعادة النظر في المحتوى وإنتاج ما يتناسب مع ارتفاع مستوى الوعي بخطاب جديد بعيد عن اللغة الدعائية التقليدية.
  • الانفتاح على الإعلام الغربي والتحاور معه وعدم تركه للمتصيدين الذين يشنون هجمات علاقات عامة
  • تسخير الإمكانات التي يمتلكها الإعلام السعودي في خدمة إحداث انقلاب في الصورة النمطية
  • تقديم وجبات ديناميكيا متطورة تستطيع التأقلم مع التحديات والسيطرة على زمام المبادرة

يلاحظ المتابع للشأن السعودي أن الإعلام الداعم للسعودية في القضايا الإقليمية لا يواكب التوجهات الصارمة للقيادة السعودية في المواجهة الجارية ضد إيران أو غير ذلك من القضايا المصيرية، وحتى في تناول بعض القضايا التاريخية أو الاستراتيجية التي سيطرت عليها السوق التركية وأغرقت العرب، ثم دول أخرى، بأعمال تروّج للأيديولوجيا السياسية التركية.

كما يلاحظ المتابع أن الإعلام السعودي، والموالي، مازال أسير شعارات شعبوية تعبوية تغرق المتلقي بثقافة واهمة ولا تنهل من لغة العقل والفكر الاستراتيجيين. لذلك، لم يقدم هذا الإعلام وجبات للفعل بل اعتمد على رد الفعل في تفاصيل حجته الإعلامية مستخدما استراتيجيات الخصم في غياب استراتيجياته الخاصة والكاسحة.

وينقل عن أصدقاء للسعودية أن مثال قضية خاشقجي كان واضحا في الفرز بين الصديق والعدو، بحيث حدث تقاطع المشاريع الإخوانية والفارسية الطائفية والعثمانية لتقويض التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية، إلا أن الإعلام بدا عاجزا عن تقديم وجبات ديناميكيا متطورة تستطيع التأقلم مع التحديات والسيطرة على زمام المبادرة. فقد كان واضحا أن الهدف هو إدانة الرياض ومحاصرتها وفق استراتيجية قصف إعلامي سياسي مكثف، فيما بدا إعلام السعودية متفاجئا وفاقدا لذلك التنسيق بين السياسة والحرفة.

تدارك هذا التراجع أمر ممكن شرط أن تتوفر أرضية تحقيق ذلك بدءا من تغيير في الأساليب والأولويات والأشخاص، وصولا إلى تحديد الجمهور المتلقي والتوجه لكل جهة بلغتها وأسلوبها، فالمتلقي العربي يختلف عن المتلقي الأميركي والصيني والبريطاني، فلا توجد مثلا في السعودية قنوات تتواصل مع العالم الخارجي باللغات الأجنبية، وبالأخص باللّغة الإنكليزية.

ويؤكد سعوديون من أهل الاختصاص أن أمر تطوير الإعلام السعودي لا يمكن أن يحصر في زوايا حرفية وتقنية أو في امتلاك المنابر الإعلامية للإمكانات والكفاءات، فذلك متوفر. لكن نقل الإعلام في السعودية أو المرتبط بها من طور إلى طور يحتاج إلى إحداث زلزال داخلي متعلق بثقافة وتقاليد المهنة وعلاقتها بالقرار السياسي.

ويضيف هؤلاء أن قرار إنشاء هيئة الترفيه والسماح للمرأة بقيادة السيارة والذهاب نحو خطط اقتصادية تبعد البلاد عن ثقافة الريع النفطي… لا يمكن إلا اعتباره بركانا مفصليا في راهن السعودية لم يكن يتخيله السعوديون قبل عشر سنوات، وأن ذلك البركان يجب أن يطول قطاعات عديدة، يأتي الإعلام في مقدمها.

وعليه بات مطلوبا أن تسخر الإمكانات التي يمتلكها الإعلام السعودي في خدمة إحداث انقلاب في الصورة النمطية التي عرفت بها السعودية منذ عقود، وأن يجري ذلك بكفاءات واعية بدل ترك الأمور في يد شركات العلاقات العامة التي لطالما تم اللجوء إليها دون نجاح. ويفترض أن الثقل المالي والاستثماري والنفطي للمملكة يسمح لها بأن تكون حاضرة وبقوة في الإعلام الغربي، الذي تديره شبكات المصالح.

وعلى الرغم من تفهّم المراقب لعملية احترام تدرج التحول الاجتماعي والسياسي وعدم العبور السريع إلى الأهداف المتوخاة، غير أن تناقضا يسجّل بين العزم على الدفع باتجاه الانفتاح والقبول بالكوابح التقليدية داخل قطاع الإعلام.

ويروي بعض من حضر الحفل الغنائي الذي أقامته المطربة اللبنانية ماجدة الرومي في السعودية، من ضمن فعاليات شتاء طنطورة مؤخرا، مفاجأتهم من ذلك التناقض بين القفزة الكبرى التي تخطوها السعودية في تنشيط قطاعها السياحي وقرار إقالة مدير القناة السعودية الأولى، وليد المجلي، عقب بث القناة الحكومية لتلك الحفلة الغنائية.

نقل الإعلام في السعودية من طور إلى طور يحتاج إلى إحداث زلزال داخلي متعلق بثقافة وتقاليد المهنة وعلاقتها بالقرار السياسي. لكن الاختباء وراء السلطة السياسية يمثل كسلا وبعدا عن الانخراط في مغامرة إبداعية خلاقة لا يمكن لمن يطلق رؤية 2030 إلا أن يكون مصفقا لها

ويقول هؤلاء إن التغيير لا يجب أن يتخذ أشكالا سطحية موضعية، بل يجب أن يطول كل المشهد الاجتماعي والإعلامي، وإنه لا يكفي اختيار الرياض عاصمة للإعلام العربي لهذا العام، بل يجب أن تكون العاصمة السعودية في بؤرة الاهتمام الإعلامي العربي والعالمي، قولا وفعلا بما يتناسب مع ثقلها.

وكان الإعلامي السعودي سلامة الزيد، أكّد خلال ندوة حول مستقبل الإعلام السعودي، انتظمت على هامش معرض جدة الدولي للكتاب، أن هذا المجال بحاجة إلى استراتيجية لتحسين استخدام المعلومات، خاصة تلك التي تتعلق بالتواصل الخارجي. وأيده الكاتب والصحافي علي بن حسن التواتي، الذي أكّد في ذات الندوة أن الإعلام قد فشل “في محاربة الحملة الإعلامية المنظمة التي عانت منها المملكة العربية السعودية في الآونة الأخيرة”.

كما انتقد سعود الريس، رئيس تحرير صحيفة “الحياة” في السعودية والخليج، الإعلام في السعودية الذي لم “يكن قادرا على مواجهة الحملة الإعلامية المنظمة التي تعرّضت لها السعودية”، من قبل وسائل إعلام بأجندات خاصة.

وقال الريس في تصريحات لبرنامج “ما وراء الحدث” إن الإعلام السعودي رغم ريادته، إلا أنه “بلا تأثير”، وهو يحتاج اليوم إلى استراتيجية حقيقية توظف الإعلام بشكل أفضل، خصوصا على مستوى التوجه إلى الخارج، وفي ظل مساعي المملكة للمزيد من الانفتاح على العالم والرد بعقلانية وبصورة مقنعة على الحملات المضادة.

من الصحوة إلى الانفتاح

سلامة الزيد: الإعلام السعودي بحاجة إلى استراتيجية لتحسين استخدام المعلومات
سلامة الزيد: الإعلام السعودي بحاجة إلى استراتيجية لتحسين استخدام المعلومات

يدافع إعلاميون سعوديون عن موقفهم بالقول إن قرارا سياسيا من أعلى هرم السلطة هو الذي وجه بإخراج البلاد من عصر “الصحوة” إلى عصر الانفتاح والاعتدال، وإن قرارا من هرم السلطة هو وحده بإمكانه تحرير الأداء الإعلامي من أغلاله القديمة.

بالمقابل ترى آراء أخرى أن الاختباء وراء السلطة السياسية يمثل كسلا وبعدا عن الانخراط في مغامرة إبداعية خلاقة لا يمكن لمن يطلق رؤية 2030 إلا أن يكون مصفقا لها.

ونقل الإعلام السعودي الاثنين أن وزير الإعلام السعودي الجديد، تركي بن عبدالله الشبانة، زار مقر وكالة الأنباء السعودية “واس” بمدينة الرياض، واطلع على سير العمل في قاعات تحرير وإعداد الأخبار. لكن مراقبين ينصحون بتجاوز ما هو شكلي في أي إصلاحات وأنه من المهم أن يتحرك وزير الإعلام الجديد بمعطيات واضحة الأهداف، وألا يكون أمر ذلك ضمن هيئة تنظيمية للإعلام، بل داخل مؤسسة يتم استحداثها تصنع التوجهات للتعامل مع الرأي العام المحلي والتواصل مع الرأي العام العالمي.

لا يمتلك وزير الإعلام السعودي في الظرف الراهن ترف الوقت، وعليه أن يتحرك سريعا خصوصا وأن الوزارة معنية ومكلفة برفع شأن الأداء الإعلامي العام.

وتعدّ وكالة الأنباء السعودية نقطة انطلاق مهمة لإثبات جدية العمل على التغيير، ذلك أن الوكالة حاليا تحفل بالأخبار المحلية والبروتوكولية التي لا تتيح للقارئ خارج السعودية أن يهتم ويفهم ما يجري بسبب ضعف الجانب الإخباري وانعدام الوجهة التحليلية للموضوعات، وصورة السعودية الخارجية كقوة اقتصادية وسياسية صاعدة لم تعد تتحمل الإعلام التقليدي الذي يكتفي بنقل تصريحات المسؤولين السعوديين ويميل إلى التضخيم والمبالغة في المديح.

ويتحدث خبراء في شؤون الإعلام عن حاجة السعودية إلى عملية تنظيم لكتاب الرأي والمقالات، حيث صار من المألوف أن يصبح المغردون وكأنهم هم مصدر المعلومة والرأي، مما أدى إلى تراجع أهمية كتاب الرأي أولا، أو انسياق بعضهم إلى الشعبوية من أجل استرضاء المسؤولين أولا أو استقطاب الاهتمام ثانيا.

7