الإعلام الخاضع سلاح الأزهر لمنع تجديد الخطاب الديني

مؤسسة الأزهر تقرر منع الظهور الإعلامي دون ترخيص لكتم أصوات المجددين.
الجمعة 2018/12/07
الإصلاح يبدأ من الداخل

القاهرة - انضم الأزهر في مصر إلى مؤسسات رسمية أخرى تحظر على العاملين فيها الظهور الإعلامي دون إذن مسبق. وباتت وسائل الإعلام شبه خاوية من الضيوف المؤثرين، مقابل تصدير شخصيات تدين بالولاء للسلطة.

ويرى متابعون أن قرار جامعة الأزهر، مساء الاثنين، بمنع أعضاء هيئات التدريس ومعاونيهم من الظهور أو التعامل أو التصدي للفتوى عبر وسائل الإعلام المختلفة، إلا بترخيص مسبق، يكشف أن المؤسسة عاجزة عن تصويب خطابها وتتمسك بالانكفاء على نفسها، وترفض السماح لبعض علمائها بالخروج من عباءة التراث، والانطلاق نحو الانفتاح ومواكبة تطورات الزمن، بإصدار فتاوى عصرية.

ويوحي الأمر بأن معركة قادة الصفوف الأولى داخل الأزهر مع العلماء المجددين لها شقان: الأول وقف إحراجهم للمؤسسة، والثاني عدم تصعيد المواجهة مع الحكومة، وقطع الطريق على وسائل الإعلام للمطالبة بتسريع تجديد الخطاب الديني.

ويرى بعض قادة الأزهر أن الإعلام سلاح السلطة للضغط على المؤسسة والنيل منها. فالدكتور سعدالدين الهلالي أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، الذي أيّد القرار التونسي بمساواة المرأة بالرجل في الميراث، تسبب في حرج بالغ للمؤسسة.

محمد أبوحامد: غالبية المنصات الإعلامية تنادي بالتجديد وهو ما يرفضه قادة المؤسسة
محمد أبوحامد: غالبية المنصات الإعلامية تنادي بالتجديد وهو ما يرفضه قادة المؤسسة

واعتاد الهلالي الظهور في وسائل إعلام تمتلك الحكومة النسبة الأكبر من أسهمها، وفي كل مرة يصدر فتوى مغايرة لتوجهات الأزهر وسياسته، وهناك الكثير من العلماء يسيرون في نفس النهج، وهو ما جعل بعض كبار شيوخ المؤسسة يشعرون بأن الإعلام شوكة في ظهورهم، يستوجب كسرها بمنع العلماء من الكلام.

جاء موقف جامعة الأزهر بحظر تعامل المنتسبين إليه مع وسائل الإعلام بعد عام واحد، من اختيار مجموعة من الأساتذة في ما سمي بـ”قائمة العلماء المسموح لهم بالظهور الإعلامي”، وهو ما يمكن البناء عليه بأن الأزهر استهلك كل محاولات ضبط الفتاوى الإعلامية، ورأى أن المنع النهائي الحل الأمثل للدفاع عن نفسه أمام دعوات تطويره، والمرجح أن تتزايد الفترة المقبلة، بعدما بدا شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب متعنتا في مسألة تجديد الخطاب الديني.

وأوضح محمد أبوحامد الباحث في الشؤون الدينية، وعضو مجلس النواب، أن موقف الأزهر يبرهن على أن أصحاب الكلمة العليا والمؤثرة داخل المؤسسة الدينية يعادون الحريات ولا يؤمنون بالرأي الآخر ولا يقبلون التعددية الفكرية، وما زالوا يتمسكون بحلول رجعية لأزمات مستفحلة، والأزمة تكمن في أنهم ينظرون إلى الإعلام باعتباره أحد أسباب الخراب في المجتمع، والمدخل الرئيسي لتشويه صورة الأزهر.

وأضاف لـ”العرب” أن الأزهر يريد إعلاما خاضعا لأفكاره وتوجهاته، بحيث يتدخل في ما يقال وما لا يقال عن الدين في منابره المختلفة، لأن أكثر المنصات الإعلامية أصبحت تنادي بالتجديد، وهو ما يرفضه قادة المؤسسة، لأنهم يعتقدون أن ذلك يعني إقصاؤهم من مناصبهم.

وعلمت “العرب” أن سعدالدين الهلالي، الذي يتردد أنه المتسبب في قرار الأزهر منع ظهور الأساتذة في الإعلام، تقدم بطلب رسمي للجامعة للسماح له بالتحدث في الصحف والبرامج التلفزيونية، وهو الموقف الذي سوف يختبر نوايا الأزهر بشأن ما إذا كان قراره يهدف إلى ضبط الخطاب الديني أم الحجر على آراء علمائه المنفتحين وأصحاب المواقف الشجاعة، الذين يصرون على التحرر الفكري ضد تمسكه بالانغلاق.

وأشار معارضون للقرار إلى أن ضبط الخطاب الإعلامي الديني والسيطرة على فوضى الفتاوى لن يُحلا بالهروب من المواجهة بل بتغيير فكر وعقلية قادة الأزهر أنفسهم، لأن تعميم منع الظهور الإعلامي، سيفسح المجال أمام أئمة وشيوخ متشددين من التيار السلفي لتعويض غياب رجال الأزهر المجددين، وهو توجه يبدو أنه مستساغ عند بعض قادة المؤسسة.

وقالت آمنة نصير أستاذ العقيدة الإسلامية بجامعة الأزهر لـ”العرب” إن تكميم أفواه بعض علماء الأزهر هروب من مواجهة التجديد، ولا يمكن أن يكون المنع من الظهور الإعلامي علاجا لأزمة أو مشكلة، لأن سيطرة الصوت الواحد تقتل التعددية الفكرية، والحل يكمن في إفساح الطريق أمام العلماء المعتدلين لتصحيح المفاهيم الخاطئة، بدلا من الثبات على مبدأ وراثة الماضي دون إضافة.

ولا يدرك قادة الأزهر أن أكثر الأساتذة الذين أصبحوا معروفين بالانفتاح الفكري والثقافي والإعلامي، مستعدون للخروج تماما من عباءة المؤسسة، حتى وإن قررت فصلهم.

18