الإعلام الديني يصب الزيت على نار التطرف والطائفية

يفتقد الإعلام الديني في مصر إلى خارطة واضحة المعالم للإعلام، وأصبح على أيدي المتشددين منبرا للتطرف وترويج الآراء المتحجرة التي تضفي صبغة القداسة على قضايا دينية هي أصلا مصدر خلاف بين المذاهب، ما يجعل من إصلاح الإعلام الديني حاجة ملحة في عصر التطرف والتشدد.
الثلاثاء 2017/04/25
إصلاح الأزهر بداية التغيير

القاهرة - يعاني الإعلام الديني في مصر من مشاكل مهنية متعددة، وتأثر بالفوضى التي تضرب وسائل الإعلام بشكل عام، لكن المشكلة الأساسية للرسالة الإعلامية الدينية أنها “مذهبية”، وتقدم للجمهور نموذجا وحيدا متشددا في قضايا خلافية تهم عدة مذاهب.

ويخاطب الإعلام الديني فئة بعينها دون باقي أفراد المجتمع، وعلى سبيل المثال، فإن الإعلام السلفي- على غرار صحيفة “الفتح” التي تصدر عن حزب النور وتخاطب السلفيين بأفكارهم وتوجهاتهم الدينية- لا تخلو رسالتها من ترويج للخطاب الديني المتشدد ولآرائهم المتحجرة.

وحتى الإعلام الأزهري، مثل مجلة “صوت الأزهر”، أو فضائية “أزهري”، فإنه يخاطب المسلمين برسالة الأزهر وقدسية آرائه الدينية، بقطع النظر عن كون الآخرين سوف يقتنعون بها أم لا.

ويرى متابعون للمشهد الإعلامي أن الخطورة الأكبر تكمن في حرص الإعلام الديني الدائم على ترسيخ كل ما يعتقد أنه “مقدّس”، ما يمثل منطقة ألغام، لأن الخطاب الديني من هذا النوع يسيطر على العقول، إلى حد اعتبار الانحراف عنه نوعا من الخروج عن الدين نفسه.

ولا توجد خارطة واضحة المعالم للإعلام الديني في مصر، تسمح له بالقيام بدور في مواجهة التطرف، ومخاطبة العقل الباطن ليساهم بشكل أو بآخر في مسألة تجديد الخطاب الديني بعيدا عن التشدد في الآراء، وهكذا نجد أن كل جهة تستخدم وسيلتها الإعلامية في الهجوم على باقي الأطراف المختلفة معها فكريا وعقائديا ودينيا.

يضاف إلى ذلك، أن أغلب مقدمي البرامج الدينية أنفسهم يتأثرون بخلفياتهم الفكرية في طرح ومناقشة القضايا المتداخلة مع الدين، ونادرا ما يتعرضون للقضايا الحياتية التي لها علاقة بالواقع الحالي للمجتمع، بل أن خطابهم يغوص في الماضي البعيد.

سامي الشريف: الإعلام الديني في مصر بحاجة إلى جراحة عاجلة تنقذه من حالة الفوضى

وأعرب سامي الشريف أستاذ الإعلام ورئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون الأسبق أن الإعلام الديني في مصر بات بحاجة إلى جراحة عاجلة تنقذه من حالة الفوضى التي يعيشها، فلا يمكن أن يكون المجتمع يعايش واقعا مؤلما من التطرف والتشدد الديني بينما تظل هناك برامج تغذي ذلك عن قصد أو عن غير قصد، ولا تكون هناك مناقشات مستمرة لقضايا حياتية تحمي عقول الشباب من مصيدة التنظيمات المتطرفة.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب” أن تنقيح الإعلام من الخطاب الديني والإفتائي المتشدد من جانب أي تيار فكري وعقائدي يحتاج إلى ضوابط تحترم القيم والمفاهيم الدينية، وفي الوقت نفسه تقضي على التطرف، كما يدعو إلى الكف عن إسناد مهمة إصلاح الفكر الديني لغير المتخصصين أو لأصحاب الآراء المتشددة.

وأكدت دراسة صدرت مؤخرا عن المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة أن الإعلام الديني في مصر يعاني غياب المهنية، ويستخدم شعارات دينية تنمي التطرف، سواء كان ذلك في قنوات وبرامج إسلامية أو مسيحية، ما ساهم في إفراز إعلام طائفي بامتياز.

وبحسب الدراسة، فإن القنوات والبرامج الدينية تحولت إلى ساحة حرب بين إسلاميين وليبراليين، وشيعة وسنة، وصوفية وسلفية، ومسلمين ومسيحيين، وأن هذا النوع من الإعلام عمل على خلط ما هو ديني بما هو سياسي، بعدما سيطرت عليه الأهواء والقناعات الشخصية.

ويرى البعض من المراقبين أن تحوُّل عدد من البرامج الدينية إلى منصات للهجوم على تيارات فكرية يفقدها دورها التنويري، ويغذي التشدد في المجتمع، ويبعدها عن رسالتها الحقيقية في ترسيخ التسامح وتقبُّل الآخر مهما كانت توجهاته وأفكاره وآراؤه، لا سيما إذا كان مقدمو هذه البرامج شخصيات لها ثقل ونفوذ ديني يُفترض فيها أن تكون قدوة لباقي الشخصيات الدينية.

ويدلل هؤلاء على ذلك بأن الخطاب الإعلامي لرموز دينية، مثل أحمد الطيب شيخ الأزهر، ومختار جمعة وزير الأوقاف، وشوقي علام مفتي الجمهورية على قنوات التلفزيون المصري، فقد الكثير من قيمته وتأثيره الديني والتنويري، بعدما تحوّل إلى مجرد أداة للهجوم على منتقدي هذه المؤسسات. وأصبحت البرامج الدينية ساحة للتلاسن والفوضى والهجوم على الآخر بخطاب ديني متحيز لفكر وتوجه بعينه.

ويقول خبراء إن ما يضاعف من فوضى الإعلام الديني أيضا أنه أصبح بعيدا عن مواكبة التطورات التي يشهدها المجتمع لتوضيح أن الاختلاف ليس خلافا، وأن الموروث الديني عن الماضي لم يعد كله موائما للحاضر والمستقبل، فضلا عن تصدير شخصيات دينية مشهود لها بالتشدد وترهيب الناس، ما جعل هذا النوع من الإعلام مفرخة للتطرف وإقصاء الآخر.

وأوضحوا أن الدليل على ذلك، ما انتهى إليه مركز “دال” للأبحاث والإنتاج الإعلامي في مصر، مطلع أبريل الجاري، من أن الكثير من وسائل الإعلام الدينية أصبحت تدعو إلى التعصب بشكل عام، نتيجة تشدد خطابها، أو نوعية القضايا التي تطرحها للنقاش، وتحاول إقناع الناس بأمور تبدو قريبة من التطرف.

ويطالب متابعون بضرورة تنقيح الإعلام الديني المقروء والمسموع والمرئي، ومنعه من أن يكون منصة للترويج لفكر وتوجه عقائدي وفكري بعينه، وإبعاد أصحاب الخلفيات الدينية المتطرفة عن صدارة المشهد، من خلال وضع ضوابط صارمة تُقدّر الظرف الفكري المضطرب الذي تعيشه مصر الآن، واستبداله بخطاب إعلامي ديني يرسخ التسامح بعيدا عن التقديس، ويؤكدون أن الفكر هو أول خطوة في وقف هذه الفوضى.

استمرار وجود الإعلام الفضائي والصحافي الديني المذهبي الذي ينمي التشدد، والإبقاء على مقدمي برامج لا يتمتعون بالحرفية ويقتصر خطابهم على مهاجمة هذه الجهة أو تلك، ويلونون أحاديثهم بآيات وأحاديث تتعلق بتكفير من يخالفهم الرأي والفكر والتوجه، كل ذلك من شأنه أن يفرغ أي دعوة لتجديد الخطاب الديني من معناها، وسوف نظل ندور في حلقة مفرغة.

18