الإعلام الروسي في مهمة رسمية لتجميل ما شوهته السياسة

تكرس وسائل الإعلام الروسية جهودها للترويج للتدخل العسكري الروسي في سوريا، وتتغنى بمزايا وفضائل السياسة الروسية في مكافحة الإرهاب، وفي الوقت نفسه تشن حملة شرسة ضد ما وصفته بـ”حرب المعلومات” في الصحافة الغربية.
الاثنين 2015/10/05
الهجوم الذي يشنه الإعلام الروسي يهدف إلى دعم حملة للحرب على سوريا

موسكو - تعمل السلطات الروسية على تكثيف حملتها الإعلامية على الصعيد الداخلي والخارجي، لتبرير تدخلها العسكري في سوريا، وإقناع جميع الأطراف المعارضة لهذا التدخل بشرعيته.

استعدت وسائل الإعلام للقيام بهذه المهمة، ولم تعد الشاشات الروسية منشغلة بالحديث عن الأزمة الأوكرانية أو الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها روسيا، واستبدلته بجرعات مكثفة من الاهتمام والتحليل والتبرير، لإقناع الروس القلقين بضرورة التدخل العسكري الروسي في الحرب السورية، رغم الذكريات المؤلمة التي لا تزال في أذهانهم عن المغامرة الكارثية السوفييتية في أفغانستان.

وأمطرت وسائل الإعلام الروسية تقاريرها الإخبارية بمعلومات مفترضة عن الترحيب السوري بالتدخل الروسي لمحاربة الإرهاب، وبدأ التلفزيون الوطني بعرض صور للمقاتلات الروسية وهي تنطلق في سماء سوريا ليلا، بينما نشرت الصحف على صفحاتها الأولى صورا للمقاتلات. وعنونت صحيفة كومسومولسكايا برافدا واسعة الانتشار “السوريون يتطلعون إلى السماء بأمل”.

ولم يفت الإعلام الروسي وصف الضربات الجوية التي قامت بها موسكو في الأراضي السورية بأنها “نموذجية”. ونقلت القناة الأولى، وهي تابعة لتلفزيون الدولة، تغطية متواصلة تقريبا للغارات الجوية التي نفذت في الليلة الأولى للقصف، واستمرت بسرد التفاصيل في الصباح.

الحملة الإعلامية الروسية لم تكتف بالترويج لمبررات التحرك العسكري، إذ أخذت على عاتقها مواجهة المعلومات والأخبار التي أوردتها وسائل الإعلام العالمية المختلفة، مرة لتكذيب المعلومات حول سقوط ضحايا مدنيين خلال أولى الضربات، ومرة أخرى للدعاية حول التفوق الروسي على الأميركي في معركة المصالح المتضاربة.

وذكرت “القناة الأولى” على موقعها عبر الإنترنت، أن الجيش الروسي حاول أن يكون منفتحا قدر الإمكان، زاعمة أن السلطات الأميركية، تم إبلاغها أنهم لديهم ساعة واحدة فقط لإخراج طائراتهم العسكرية من المجال الجوي السوري قبل أول غارة.

ونشرت قناة “روسيا اليوم” تقريرا يوثق ما وصفته بـ”حرب المعلومات” من الصحافة الغربية، وقد أشارت فيه إلى أن التقارير الإخبارية المتداولة في الإعلام الغربي، والتي تعدد الأدلة على سقوط ضحايا من المدنيين في القصف الروسي على الأراضي السورية، كاذبة ومضللة ولا أساس لها من الصحة.

بوتين انضم إلى ماكينته الإعلامية معلنا استعداده لـ"حرب إعلامية" بعد سقوط ضحايا مدنيين في الغارات

وانضم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى ماكينته الإعلامية معلنا استعداده لـ”حرب إعلامية” بعد الاتهامات التي وجهتها المعارضة السورية، للطيران الروسي بالتسبب في سقوط ضحايا مدنيين خلال القصف. كما دعا ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، المواطنين ليكونوا “حذرين جدا جدا” بشأن المعلومات التي يتلقونها، وقال للصحفيين “لا تصبحوا ضحية المعلومات الفاسدة”.

من جانبها، تحدثت وكالة “سبوتنيك” المملوكة للدولة، عن تقارير اسمتها “معلومات مشوهة وكاذبة”.

أما وسائل الإعلام الغربية فقد تناولت أداء الإعلام الروسي والنهج الذي اتخذه في الترويج لسياسة بوتين، فذكرت صحيفة الأندبندنت البريطانية، أن الإعلام الروسي “في حاجة إلى طوفان من التقارير، إذ أن ما يقرب من 70 بالمئة من الروس ضد المساعدات العسكرية لبشار الأسد، حسب استطلاع أجراه مركز ليفادا الروسي المستقل”.

وقالت صحيفة الغارديان، إن الإعلام الروسي بدأ يركز على متابعة الأحداث في سوريا، ويحث على تدعيم توجيه مزيد من الضربات الجوية، على الرغم من أن استطلاعات الرأي أظهرت عدم دعم الروس للحرب على سوريا، بعد أن وجهت روسيا، العديد من الضربات الجوية ضد أهداف تابعة لتنظيم “داعش”، الإرهابي.

وأضافت الصحيفة، أنه منذ وقت ليس ببعيد، كانت البرامج التلفزيونية في روسيا تعرض مناقشات ساخنة بشأن الحرب في شرق أوكرانيا، ومدى الرعب من محاولات كييف لاستعادة الأراضي من الانفصاليين الموالين لروسيا.

وتابعت “الغارديان”، أنه على مدار الأسبوعين الماضيين عندما بدأ الصراع الأوكراني في الخمود، كانت هناك إعادة تقويم في البرامج التلفزيونية لهذا الصراع، وتحول الأمر حيث تركز عناوين الأخبار، والبرامج الحوارية على مسرح مختلف من الصراع وهو سوريا. وتفتقر وسائل الإعلام الروسي إلى التعاطف مع الصراع في أوكرانيا، حيث أن المراسلين نقلوا خدماتهم الإخبارية من ساحات القتال في شرق أوكرانيا، إلى ساحات القتال في دمشق، ونفس المذيعين الذين رفعوا أيديهم عن تصرفات كييف هم أنفسهم الذين يتحدثون عن خطر تنظيم “داعش”، الإرهابي.

وأكدت الصحيفة أن الهجوم التلفزيوني الذي يشنه الإعلام الروسي يهدف إلى دعم حملة للحرب على سوريا، على الرغم من أن الدراسات أثبتت عدم شعبيتها بين الروس.

وأظهر استطلاع أجراه مركز ليفادا المستقل في سبتمبر الماضي، أن غالبية الروسيين أظهروا اللامبالاة تجاه سوريا، حيث عبر 50 بالمئة ممن شملهم الاستطلاع أنهم غير مهتمين بسياسة روسيا في سوريا، أو ليس لديهم رأي على الإطلاق، في حين أكد 14 بالمئة تأييدهم للتدخل العسكري في سوريا.

ويقدر ليف غودكوف مدير مركز ليفادا للاستطلاع أن واحدا فقط من بين كل ثمانية روس يؤيدون التدخل العسكري في سوريا. وصرح: بالطبع هذه هي “ظاهرة أفغانستان”.

حيث يوصف الاستياء الشعبي من أي تدخل عسكري روسي خارجي بأنه “ظاهرة أفغانستان”. ويعبر العديد من الروس على مواقع التواصل الاجتماعي عن استيائهم من الحرب التي أقحموا فيها، تقول إيلينا كوستيوشينكو مراسلة صحيفة نوفايا غازيتا المعارضة، “أمي اتصلت بي باكية تقول: لماذا ندخل حربا أخرى؟”.

وصرح كونستانتين كلاشيف رئيس مؤسسة مجموعة الخبراء السياسيين، “لأول مرة تتعارض خطط بوتين مع الرأي العام (..) فهذه أول مرة تختلف فيها آراء الروس العاديين عن آراء النخبة الحاكمة”.

وأضاف أن والده، الذي كان محاربا سابقا في أفغانستان، لا يؤيد تدخلا أكبر في سوريا.

وصرح كوستانتين كوساشيف رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان للتلفزيون “أعتذر عن المقارنة غير المناسبة، لكن إذا أردت القضاء على الحشرات، لا يكفي أن ترسلها إلى مطبخ جيرانك”.

ووصفها أحد المغردين على تويتر بأنها عملية “إنقاذ الجندي الأسد”، على غرار الفيلم الأميركي “إنقاذ الجندي رايان”.

18