الإعلام الشعبي يكسر القيود المفروضة على الصحافيين

ظهر الإعلام الشعبي كنتيجة طبيعية للحراك العربي منذ عام 2011، بالإضافة إلى تنامي دور مواقع التواصل الاجتماعي والتجارب الإعلامية التي تركت بصمتها على وعي الجمهور، وهو ما حاولت المؤسسات الإعلامية الاستفادة منه واستثمار الإعلام الشعبي.
الخميس 2016/12/08
من الجمهور وإليه

القاهرة - أوجد فنانو الغرافيتي ومسرح الشارع والأغنية السياسية وفرق الفن البديل، لأنفسهم مساحة في عالم الإعلام الشعبي، وانتشرت أعمالهم في شبكات التواصل الاجتماعي إما من خلال الفنانين أنفسهم الساعين إلى نشر أعمالهم على أكبر نطاق، وإما عن طريق جمهورهم المتحمس لدعم هذه الفنون ومضمونها “الثوري”.

وتطور الأمر إلى أن أصبحت هذه الشبكات مساحة لتفريغ المواهب الفنية، وساهم الانتشار السريع لشعبية باسم يوسف وانتقاله من “يوتيوب” إلى الفضائيات لإنتاج وإذاعة برنامجه الساخر “البرنامج”، بتشجيع الكثير من هؤلاء الفنانين الهواة.

سلطت الباحثة نهى عاطف الضوء على هذه الظاهرة في كتابها “الإعلام الشعبي: بين إعلام الدولة ودولة الإعلام”، الصادر عن دار العربي، أوضحت فيه تداخلات العلاقة بين الشعب والدولة والإعلام.

وقالت الباحثة إن مصطلح “الإعلام الشعبي” سمعته للمرة الأولى منذ عشر سنوات، ووقتها بدت فكرة تأسيس غير المحترفين لمنافذ إعلامية مغرقة في التفاؤل.

وأضافت “لم أر الصحافة مجال تخصص لا يمكن للهواة ممارسته بالدرجة التي تجعلهم ‘صحافيين’ حقا. بعدها بنحو عام صرت أحد الصحافيين الشعبيين، لأبدأ – بالتوازي مع عملي في الصحافة الاحترافية – رحلة تعلم لنوع من الإعلام، وأدرك أن النوعين مختلفان، لا ينافس أحدهما الآخر، إنما لكلٍ منهما ممارسات ودور فريد، وفي هذا وذاك تظل علاقة الشعب والدولة بؤرة التفاعل بينهما”.

وتابعت “وسط الاعتصام الضخم في ميدان التحرير عام 2011، كانت مجموعة من الشباب دون العشرين عاما يمارسون ‘الإعلام الشعبي’ في شكل جريدة ورقية يصدرونها تحت اسم ‘أصوات التحرير’. هذه المطبوعة اعتمدت بالكامل على مشاركات المعتصمين في الميادين، دون تدخل من صحافيين محترفين، والمثير للإعجاب والعجب، أن الجريدة استمرت في الصدور بصفة شهرية في حجم 20 صفحة تحت اسم ‘الجرنال’، وترأست تحريرها الناشطة سناء سيف، التي كانت في سن السابعة عشرة وقتها، ووصل توزيع ‘الجرنال’ إلى 30 ألف نسخة.

الصحافة الشعبية والاحترافية نوعان مختلفان لا ينافس أحدهما الآخر

لم تستمر تجربة إصدار صحيفة بلا صحافيين لأعوام، لكنها تظل دليلا على أن استشعار الشعب قوته في المشهد السياسي أدى إلى استشعاره قوته على الساحة الإعلامية أيضا، ففي لحظة تحدي الشعب للنظام السياسي، ساد ميدان ‘التحرير’ عدم الرضا عن الإعلام الموالي للنظام، الذي وصف المعتصمين بالمأجورين والمُندسِّين، فكان الرد هو التحدي ليصف القائمون على ‘الجرنال’ أنفسهم بـ”‘لقلة المُندسَّة’ في عددها الأول. وتضمنت التجربة أيضا تحديا لعلاقة الدولة بالإعلام، فلم يتم استخراج أي تصاريح أو تراخيص التي تحتاجها عادة المؤسسات الصحافية”.

ولفتت عاطف إلى تداخل ثلاثة مفاهيم في حقل الإعلام الحديث، وهي الإعلام البديل والإعلام الاجتماعي وإعلام المواطن، ما أفرز علاقة تكاملية بينهم، فالإعلام البديل ينشط ويتجسد على أرض الواقع من خلال قنوات وتطبيقات الإعلام الاجتماعي التي سمحت باستخدام فكرة التشبيك، ومنها نبعت فكرة المواطن الممارس للصحافة، أو صحافة المواطن، التي يصنع أخبارها وموضوعاتها المواطن العادي، مما دعم قيام إعلام بديل لذلك الذي تملكه وتديره الدولة.

وأشارت إلى أنه منذ الخمسينات من القرن الماضي صارت الدولة هي من تحدد مالكي وسائل الإعلام، وتختار المسؤولين في الجهات الموكل إليها إدارة المؤسسات الإعلامية.

ومع تصاعد التحركات الاحتجاجية، تطور الإعلام الشعبي إلى أداة تنظيم سياسي، سواء للتحركات النشطة على الأرض أو إدارة الحركات السياسية، ما انعكس في الدعوة إلى الإضراب عام 2008، التي أطلقها عدد من الناشطين على فيسبوك. واستمر استهداف الإعلام الشعبي لتسهيل التنظيم السياسي حتى عام 2011 الذي شهد زيادة سريعة في أعداد مستخدمي الشبكات الاجتماعية.

وقالت الباحثة “بعد وصول الشعب إلى حالة من التمكين السياسي، تمثلت في خلع مبارك، دخلت علاقة الإعلام الشعبي والإعلام مرحلة جديدة، سعت فيها المؤسسات الإعلامية إلى الاستفادة من الإعلام الشعبي، سواء قنواته أو ممارسوه، فاستخدمت الشبكات الاجتماعية لترويج محتواها، وكأحد مصادر مادتها الإعلامية، بل أنتجت محتوى معتمدا على هذه الشبكات، سواء في صورة تقارير لأهم الموضوعات عليها، أو بتقديمها في ذاتها كمادة تغطية لقطاع من الجمهور لا يجيد استخدامها، مثل برنامج ‘أون تيوب’ الذي أنتجته قناة “أون تي في” عام 2011 ليقدم لغير مستخدمي الإنترنت أهم محتوى الإعلام الاجتماعي العربي.

لكن 2011 كانت سنة تحول في تقلبات هذه العلاقة، فالصحافي المحترف بات ينظر إلى الصحافي الشعبي بصفته ناشطا سياسيا، ويتعامل معه على هذا الأساس، أنه مصدر للخبر أو معلق عليه. أما الصحافي الشعبي فاستمر في التعامل مع الصحافي التقليدي بطريقة انتقائية، بحسب المؤسسة التي ينتمي إليها. وفي أواخر عام 2013 عاد الطرفان، بشكل ما، إلى نقطة البداية، حيث عاد الصحافي الشعبي يكمل محتوى الإعلام التقليدي.

18