الإعلام العراقي.. خدمات سياسية وطائفية وحزبية مدفوعة الثمن

يرثي الإعلاميون العراقيون الصحافة والإعلام في بلادهم، بعد أن أجهضت أحلامهم بمرحلة إعلامية جديدة، ظهرت ملامحها في عام 2003 بثورة في عدد القنوات الفضائية ومحطات الإذاعة والصحف والوكالات الإخبارية الإلكترونية، التي لم تستطع الحفاظ على إعلام حيادي مهني، إذ سرعان ما اقتنصتها الأيادي السياسية ورؤوس الأموال لتجيّرها لصالحها.
الثلاثاء 2016/08/09
الأزمة الاقتصادية كرست الإعلام المحكوم سياسيا

بغداد - حظي الإعلام في العراق بمساحة واسعة من الحرية منذ عام 2003 تمكنه من أن يكون إعلاما مستقلا ومهنيا بعيدا عن تأثيرات الجهات السياسية والطائفية والحزبية، غير أنه فشل في تحقيق هذا الهدف أمام نجاح هذه الجهات في السيطرة على الإعلام لأسباب عدة أبرزها سطوة المال التي جعلت أغلب وسائل الإعلام المحلية في العراق منصاعة لهذه الجهة أو تلك، حتى بات الإعلام العراقي مجرد خدمات مدفوعة الثمن لهذه الجهات.

شهد الإعلام العراقي بعد تغيير نظام الرئيس الأسبق صدام حسين، ثورة في عدد القنوات الفضائية ومحطات الإذاعة والصحف وأخيرا الوكالات الإخبارية الإلكترونية، ليتبع هذا العدد ارتفاعا من بضع قنوات وإذاعات وصحف في فترة حكم النظام السابق إلى العشرات من القنوات والإذاعات والمئات من الصحف والوكالات الإخبارية المستمرة في الازدياد حتى الآن.

لا يوجد عدد محدد لوسائل الإعلام العاملة في العراق اليوم غير أن ما لا يقل عن 50 قناة فضائية وعدد مماثل من الإذاعات بالإضافة إلى أكثر من 100 صحيفة وضعف العدد من الوكالات الإخبارية، كلها تعمل في البلاد وفقا لتقديرات الجهات الرسمية واللافت أن هذا العدد يتغير وفقا لمعطيات عدة تتعلق بالجو العام في البلاد. فالعديد من وسائل الإعلام لا تستطيع الاستمرار في عملها لا سيما إن قررت اتخاذ قرار الحياد لكونها تواجه مشاكل عدة أبرزها التمويل، ما يجعلها إما تابعة لجهة تمولها لتضمن استمرارها، وإما تتجه إلى اتخاذ قرار الانسحاب.

حيدر الشمري وهو إعلامي عراقي أنشأ قبل سنوات وكالة إخبارية أرادها أن تكون مستقلة لتعمل على إظهار الحقائق في البلاد، لكنه قرر بعد أشهر قليلة فقط من إنشائها، إغلاق الوكالة لكونه لم يستطع ضمان مصدر تمويل له رغم انخفاض تكاليف الإنشاء والاستمرارية في العمل.

ويقول الشمري في تصريحات خاصة لـ”العرب”، إن “الوكالة لم تحصل على الدعايات والإعلانات اللازمة لتمويلها كما أن فكرة طباعة صحيفة صادرة عن الوكالة لم تكن سديدة باعتبار أن مبيعات الصحيفة لن تغطي حتى تكاليف طباعتها في حين رفضت الجهات الممولة كالأمم المتحدة والسفارة الأميركية وغيرهما تمويل الوكالة من دون تبرير الرفض”.

ويؤكد الشمري أن جهات سياسية وطائفية وحزبية عرضت عليه أموالا طائلة لتمويل الوكالة غير أنه رفض لكونه أرادها أن تكون مستقلة وغير منتمية إلى جهة ما وهو السبيل الوحيد أمام أصحاب المؤسسات الإعلامية لضمان استمراريتها.

وسائل الإعلام لا تستطيع الاستمرار في عملها إن قررت اتخاذ قرار الحياد لكونها تواجه مشاكل عدة أبرزها التمويل

ولم تكتف هذه الجهات بتقديم التمويل للوسائل الإعلامية المستقلة لشراء توجهاتها، بل إنها باتت تؤسس وسائل الإعلام وتستقطب العاملين في الوسط الإعلامي الذين لا يجدون أمامهم سوى هذه الوسائل للعمل فيها.

كما أن الكثير من القنوات الفضائية وغيرها من وسائل الإعلام تم إنشاؤها لأهداف سياسية معينة كدخول الانتخابات لتغلق بمجرد فشل الجهة الممولة في تحقيق أهدافها. فعلى سبيل المثال أنشئت قناة محلية باسم (المشرق) قبيل انتخابات عام 2010 في العراق لكنها سرعان ما اختفت من المشهد الإعلامي بمجرد إبلاغ ممولها أنه ممنوع من دخول الانتخابات وفقا للقانون النافذ، أما قناة “الرشيد” الفضائية التي يمتلكها سعد عاصم الجنابي فواجهت نفس المشكلة عند افتتاحها غير أن مالكها رفض إغلاقها ولا تزال عاملة حتى اليوم.

ولم تسلم وسائل الإعلام الممولة من الدولة العراقية هي الأخرى من تأثيرات الأحزاب السياسية، فشبكة الإعلام العراقي التي أريد لها أن تكون مشابهة لهيئة الإذاعة البريطانية BBC، وجدت نفسها دائما تحت تأثير من يعتلي سدة الحكم في العراق.

ويقول عمر عبداللطيف وهو صحافي يعمل في جريدة الصباح التابعة للشبكة، إن “الشبكة أسيرة التغييرات التي تحدث في كل دورة انتخابية حتى أن أحد الصحافيين وصفها بأنها علاوية عندما كان رئيس الوزراء إياد علاوي ومالكية عندما ترأس نوري المالكي الحكومة وهكذا”.

لا يجد عبداللطيف في قانون الشبكة ما يشير إلى ذلك غير أنه يرى الشبكة التي يفترض أن تمول من المال العام لانتقاد الحكومة وسياساتها في حال أخطأت، باتت لا تعمل إلا بطلب من الحكومة لتناول موضوع ما والسكوت عن آخر.

ويبدي عبداللطيف قلقه من الأوضاع التي آلت إليها مؤسسات الإعلام العراقي بصورة عامة، فهو يرى أن الإعلام العراقي اليوم بعيد كل البعد عن الاستقلالية وهو “سياسي حزبي بامتياز”. ويضيف عبداللطيف لـ”العرب” قائلا، إن “المؤسسات التي تدعي الاستقلال وتدار من قبل رجال أعمال تراها بعد حين تطبل وتزمر لإحدى الشخصيات السياسية التي تمول من رجل الأعمال الذي يملك تلك القناة، وبهذه الصورة لا يمكن أن يكون هنالك إعلام مستقل في البلد دون أن يكون هنالك حزب أو شخصية حزبية تموله يمكن أن تنفعها هذه القناة خلال فترة الانتخابات”.

يؤمن عبداللطيف أن محاولات الإعلام العراقي أن يكون مستقلا لم تؤد إلى نتيجة طوال الفترة الماضية مرجحا استمرار هذه المشكلة لبقاء الأسباب لا سيما مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد.

18