الإعلام العراقي ضل طريقه في أدغال السياسة

الجمعة 2014/05/09
الوسط الإعلامي العراقي سجين "المال الفاسد"

بغداد- الانتخابات التي جرت نهاية الشهر الماضي في العراق، كانت مناسبة للقضاء على آخر ما تبقّى من أمل لدى الجمهور الباحث عن مادة إعلامية غير موجّهة، بعد أن تحول الإعلام إلى منبر لاستغلال مشاعر العراقيين وتحقيق الكسب المادي.

دقت منظمات وجمعيات ونقابات ناقوس الخطر إزاء ما آلت اليه السلطة الرابعة في بلاد الرافدين. وقد أعلن تحالفُ منظماتِ المجتمع المدني نتائج مراقبةِ عشر من المنظمات المدنية لأداء وسائل الإعلام المحلية العراقية خلال تغطيتها للانتخابات النيابية عام 2014. وفي مؤتمر صحفي عقد ببغداد الاربعاء، قال تحسين العطار مدير مركز المرآةِ لمراقبةِ الإعلام، إحدى المنظمات المشاركة في المراقبة، إن معظم وسائل الإعلام لم تكن حيادية في تغطيتها للعملية الانتخابية، وأشار إلى أن هذا الأمر يعد مؤشرا خطيرا حول واقع الإعلام العراقي.

وقالت رئيسة جمعيةِ البستان لمراقبةِ الانتخابات حنان مازن إن تحالفَ منظمات المجتمع المدني رصد خلالَ مراقبته أداء وسائل الإعلام وجودَ انحياز للمرشحين من الرجال على حساب المرشحاتِ من النساء، لافتة إلى أن نسبة تغطية وسائل الإعلام للحملات الدعائية للمرشحات لم تتجاوز 10 بالمئة من مجمل التغطية للدعاية الانتخابية، في وقت كان من المفترض أن تكونَ فيه هذه النسبة 25 بالمئة وفقا لنظام كوتا النساء المعتمد في الدستور العراقي.

وأضافت حنان مازن أن عملياتِ المراقبة رصدت حدوث أكثرَ من 800 خرق لنظام الدعاية والصمت الانتخابيين قامت بها 13 قناة تلفزيونية محلية، مشيرة إلى أن الأحزابَ الصغيرة لاقت صعوبة بالغة في الحصول على مساحات إعلانية في تلك القنوات لارتفاع تكاليف الدعاية الانتخابيةِ المتلفزة.

وكانت منظمات المجتمع المدني أشارت إلى أنّ سياسيين ومرشّحين للانتخابات أغروا أهم الوسائل الإعلامية التي تحظى بنسبة متابعة عالية داخل العراق، وأخضعوها لأجنداتهم الخاصة في ظل الانتخابات البرلمانية العراقية أواخر الشهر الماضي.

وفي العراق كما غيره من البلدان العربية، قلّما نظفر بوسيلة إعلامية محايدة، بما فيها القنوات الرسمية المموّلة من الشعب. وبدا مشهد الإعلام المحلي مأزوما ومربكا للناخب، وخصوصا في ظلّ التضاد بين وسائل إعلام تابعة لأحزاب وقوائم متنافسة. وتحوّلت البرامج الحوارية والفواصل الإعلانية إلى محاولات لإطاحة الآخرين والتأثير في حظوظهم.

نسبة إفلات قتلة الصحفيين من العقاب في العراق بلغت 100 في المئة بعد مقتل 100 صحفي خلال العقد الماضي

وبالطبع هناك فضائيات انحدرت علنا إلى هذا المستوى، فيما فضّل ساسة ورجال أعمال يترأسون قوائم انتخابيّة معينة تأسيس وكالات أنباء. وكالات قد تختفي مع إعلان نتيجة الاقتراع، بعدما أدت دورها في النيل من الخصم.

خلال الفترة الماضية، وُلدت وكالات سرعان ما بدأت تنشر وثائق فساد عن مسؤولين وسياسيين، على أنّها “حصريّة”، ساعية إلى الإثارة وإلى إحداث إرباك في صفوف مختلف الأفرقاء وأنصارهم. ويقول صحفيون إن الوسط الإعلامي العراقي “يستثمر المهنة” لبيع الذمم.

واستغرب العراقيون طريقة تعامل الإعلام في بلادهم حيال الانتخابات، مشيرين إلى أن بعضه تحول من ناقد للفساد والمفسدين إلى مساحات إعلانية تستغل مشاعر الناس وتستغفلهم. وحين يتم الاستغراب مما يحدث يأتي الجواب أن الانتخابات مناسبة لكسب الأموال، وعندما يتساءل أحد أين المهنية يقولون: “نعطيها استراحة لمدة شهر”.

وأكد محمد فلحي، رئيس قسم الصحافة في كلية الإعلام في جامعة بغداد، أن الوسط الإعلامي ملوث بالفساد أيضا: “القنوات كلها غير مستقلة وكل وسيلة إعلامية تروج لصاحبها أو حزبها دون مراعاة القيم المهنية، ولا شك أن التغطية فاشلة وهناك دعاية فجة ومبالغة في تقديم المرشحين”، لكن عضو النقابة الوطنية للصحفيين العراقيين قيس العجرش أكد في تصريحات صحفية أنّ “تحيز وسائل الإعلام في الأجواء الانتخابية أمر متوقع، خصوصا مع تبعية هذه الوسائل لرؤوس أموال غامضة كانت ولا تزال تنتفع من موجة الفساد”.

من جانب آخر، قال تقرير لجنة حماية الصحفيين إن نسبة الإفلات من العقاب في العراق بلغت 100 في المئة بعد مقتل 100 صحفي خلال العقد الماضي. وبذلك احتفظ العراق بصدارة مؤشر إفلات قتلة الصحفيين من العقاب منذ بدأت لجنة حماية الصحفيين اعتماد المؤشر عام 2008.

وشهد العراق أواخر العام الماضي تسع جرائم قتل جديدة ضد الاعلاميين، حيث قُتل ثلاث ضحايا ومساعدان إعلاميان اثنان في هجوم واحد عندما اقتحم مسلحون محطة تلفزيون صلاح الدين في تكريت في 23 ديسمبر الماضي.

في هذه الأثناء يستمر استهداف الصحفيين، كما أكد رئيس مرصد الحريات الصحفية هادي جلو مرعي لإذاعة العراق الحر مشيرا إلى أن هذا العام سجل مقتل عشرين صحفيا، وهو رقم مخيف، على حد تعبير مرعي، يؤكد الزيادة المطردة والنوعية في استهداف الصحفيين استهدافا مباشرا والترهيب المخطط الذي يمارس ضد الإعلاميين العراقيين، متهما “كافة أطراف النزاع في العراق” بالضلوع في هذه الأعمال.

18