الإعلام العراقي يصارع للبقاء في ساحة ملغومة

تشدد هيئة الإعلام العراقي إجراءاتها على القنوات الفضائية ووسائل الإعلام تحت ذرائع مختلفة، لتضيف أعباء أخرى تجعل مهمة الإعلام أكثر صعوبة في بلد يعاني من سطوة الرموز الدينية والأحزاب السياسية على الأقلام الصحافية.
الاثنين 2016/05/16
الرقابة الذاتية أضمن للسلامة

بغداد- أغلقت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية قناتين فضائيتين، ضمن سلسلة من الإجراءات المماثلة اتخذتها بحق وسائل إعلام مختلفة، بسبب ما قالت إنها مخالفات وتجاوزات قانونية متعددة.

وأغلقت الهيئة المكلفة بالإشراف على تنفيذ السياسات الحكومية مكتب قناة الجزيرة في بغداد، وقناة البغدادية التلفزيونية المحلية، وأمرت بوقف برنامج البشير الهزلي. وقالت إن قناة الجزيرة وبرنامج البشير الذي يتناول بالنقد الساخر شخصيات عراقية خالفا ميثاق الشرف المهني. أما قناة البغدادية المملوكة لرجل الأعمال العراقي عون الخشلوك وتبث برامج تلقى إقبالا فقد أغلقت في مارس. وقال بيان أصدرته هيئة الإعلام والاتصالات إن القناة لم تحصل على التراخيص السليمة اللازمة لمزاولة نشاطها.

وتثير إجراءات الهيئة استياء وانتقادات واسعة في الأوساط الإعلامية والثقافية في العراق، وتعتبر أن مبررات الهيئة ليست سوى ذرائع لإحكام السيطرة على وسائل الإعلام مع تصاعد التوترات السياسية في بغداد. وقبل أيام شن نقيب الصحافيين العراقيين مؤيد اللامي هجوما على هيئة الإعلام والاتصالات، ملوحا باللجوء إلى المحاكم الدولية لمنع قرارات قال إنها “عشوائية”.

ودعا اللامي في مؤتمر صحافي نظمته بعثة الاتحاد الأوروبي في العراق، السلطات العراقية إلى التدخل الفوري لإيقاف هيئة الإعلام والاتصالات لقنوات فضائية “وإلا سيصبحون شركاء في عملية قمع الحريات الصحافية”. وطالب اللامي الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بأن يكون لهما دور حقيقي بشأن حرية العمل الصحافي.

مخاطر الأحزاب المتنفذة مازالت قائمة، خاصة تلك الأحزاب التي تمتلك أجنحة عسكرية تقوم بمراقبة الصحافيين ووسائل الإعلام بشكل غير مباشر

وحذر كل من يستهدف حرية الصحافي في العراق قائلا “سنحيل كل من يحاول قمع الصحافة إلى المحاكم الدولية مهما كانت مكانته، ومن يتسبب في قتل صحافي وتهديده لن تشفع له جنسيته الأجنبية ولا موقعه الرسمي”. وتشير تصريحات اللامي إلى حجم التهديدات والمخاطر التي تواجه العاملين في الحقل الإعلامي، ولم تعد حكرا على الصحافيين والقنوات الفضائية، بل طالت أيضا الكتاب والصحف لا سيما عند أي تناول أو انتقاد يطال الرموز الدينية.

وتحدث العديد من الصحافيين العراقيين عن تهديدات بالقتل بسبب مس “رموز دينية إيرانية” كما تلقوا تحذيرات من الكتابة بتهكم على شخصيات معينة، وقالوا إن هذه التهديدات غالبا ما تكون من ميليشيات متحكمة ومرتبطة بإيران وتعمل خارج القانون. وأفاد أحد الصحافيين بأن حادثة رسام الكاريكاتير أحمد الربيعي الذي توفي في ظروف غامضة، أصبحت هاجسا للصحافيين، دفع البعض منهم إلى ممارسة الرقابة الذاتية وعدم التطرق إلى الرموز أو الشخصيات الدينية.

وكانت صحيفة “الصباح الجديد” اليومية نشرت رسما للربيعي منذ عامين، اعتبر إهانة لـمرشد الثورة الإيرانية” آية الله خامنئي”. وتمت مهاجمة مقر الجريدة بعدة عبوات ناسفة. واضطرت الجريدة بعدها إلى سحب العدد والاعتذار إلى السفير الإيراني في بغداد. وأضاف الصحافي أن العاملين في الميدان الإعلامي أصبحوا بين مطرقة الميليشيات المدعومة من إيران، وسندان داعش، الذي يعتبر قلم الصحافي سلاحا يستوجب قتل صاحبه.

من جهته قال زياد العجيلي رئيس مرصد الحريات الصحافية العراقي “مع كل أزمة سياسية يتطلعون إلى مجالات تشد انتباه الجمهور. وعندما تركز وسيلة إعلامية على مشكلة ما يأمرون بإغلاقها”. وأضاف في إشارة إلى حكم المالكي الذي استمر ثماني سنوات “هم ينفذون الآن القرارات نفسها التي اتخذت في الماضي عندما لم يكن لحرية الصحافة وجود في الواقع.

مؤيد اللامي: من يتسبب في قتل صحافي وتهديده لن تشفع له جنسيته الأجنبية

وأصدرت هيئة الإعلام والاتصالات تحذيرا بسبب برنامج تبثه قناة العهد التي تديرها فصائل عصائب أهل الحق المدعومة من إيران. وكان مذيع البرنامج وجيه عباس شبّه صدام حسين بالخليفة عثمان بن عفان مما أثار استياء السنة. كما استهدفت الهيئة مجموعة من الشباب العراقيين يشتغلون على إنتاج برنامج البشير الساخر من الأردن. واضطرت قناة السومرية المستقلة إلى التوقف عن بث البرنامج الشهر الماضي رغم أن فقراته كثيرا ما تسخر من تنظيم الدولة الإسلامية ومن وحشية أعضائه وعنفهم.

وكان السبب في وقف البرنامج حلقة سخرت من أحد رجال الدين الشيعة لأنه تناول مسألة ما إذا كان شرب اللبن من بقرة نافقة حلالا أم حراما. ومازال البرنامج مستمرا على يوتيوب وعلى قناة دويتشه فيله العربية. وقال مضيف البرنامج أحمد البشير إنه يرفض طلب الحكومة تغيير محتوى البرنامج. وأضاف “هذه هي صيغة البرنامج. هكذا يكتب وهذا هو مستوى الحرية التي يتمتع بها. سنواصل نقد الفاسدين والسخرية منهم”.

ويواجه الصحافيون مخاطر أخرى فضلا عن الرقابة الحكومية في العراق؛ فقد قالت لجنة حماية الصحافيين التي تتخذ من نيويورك مقرا لها إن ستة صحافيين على الأقل قتلوا في مدينة الموصل التي يسيطر عليها تنظيم داعش خلال العام الماضي.

وفي يناير الماضي قتل صحافيان بالرصاص في منطقة ديالى الشرقية الخاضعة لسيطرة الحكومة. وأوضحت مؤشرات التقرير السنوي لمرصد الحريات الصحافية، بين الفترة الممتدة من 3 مايو 2015 إلى 3 مايو 2016، أن المخاطر التي تهدد الصحافيين العراقيين مازالت متعددة الأشكال ما بين القتل والخطف والتهديد، وغلق العديد من المحطات التلفزيونية والمواقع الإخبارية، والتهديدات المباشرة وغير المباشرة للصحافيين وابتزازهم.

وأضاف التقرير أن “مخاطر الأحزاب المتنفذة مازالت قائمة، خاصة تلك الأحزاب التي تمتلك أجنحة عسكرية تقوم بمراقبة الصحافيين ووسائل الإعلام بشكل غير مباشر وتبعث رسائل رعب عبر التصفيات والاختطافات للعاملين في المؤسسات المحلية والأجنبية، وفي أحيان أخرى توجه لهم تهديدات مباشرة بالموت في حال انتقدوها أو تطرق أحدهم إلى ملفات فساد ضدهم”.

18