الإعلام العربي أضحى منطقة ساخنة لصراع رجال الدين والسياسة

الخميس 2015/03/19
الإعلام باعتباره محركا لمسار الأمة والتاريخ يعد قضية خاضعة للمساءلة والنقاش

أبوظبي - الإعلام العربي في زمن التغيرات الكبرى وتداخل الرؤى والأهداف، كان المحور الرئيس الذي بحثه الكاتب الصحفي خالد عمر بن ققة في محاضرته "الإعلام العربي.. بين تراجع المُقدّس.. واستفحال المُدنّس"، وحدد فيها نماذج الإعلامي في التعاطي مع الضغوط المفروضة عليه من مختلف الجهات.

لم تعد علاقة الإعلام بالسياسة تشكل خلافا جوهريا، بل على العكس فإن هناك درجة عالية من التقارب وحتى التعاون في معظم الأحيان، مع وجود تنافس بينهما حول ثقة الجماهير وما يتبعها من تأييد للمواقف، كما أن النجومية لم تعُدْ حِكرا على السياسيين، بل أصحبت حقا مشروعا للصحفيين.

هذا ما أكده الكاتب الصحفي خالد عمر بن ققة، خلال محاضرته في مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام في أبوظبي، تحت عنوان “الإعلام العربي.. بين تراجع المُقدّس.. واستفحال المُدنّس”، مضيفا أنه نتيجة للميراث المتراكم والحاضر المتأزم أحيانا بين الإعلاميين والسياسيين من جهة، وبين الإعلاميين ومختلف القوى الاجتماعية، خاصة الدينية منها، تراجع المقدس واستفحل المدنس وأصبح مُلحّا فتح نقاش علمي وجاد حول أسباب التراجع هذه والاستفحال من كل الأطراف المهتمة بفرض التمكين للثوابت في ظل المتغيرات السريعة، مع عدم رفض الإيجابي منها وتحويله إلى ثوابت أيضا.

وتناولت المحاضرة، الإعلام العربي في زمن التغيرات الكبرى وتداخل الرؤى والأهداف، وطرحت جملة من الإشكاليات، بالإضافة إلى ثلاثة محاور تكشف العلاقة الظاهرة أو الخفية بين الإعلام كفعل اجتماعي يتحقق بشكل متواصل على صعيد الممارسة، وبين المُقدّس والمدنّس من حيث كونهما توصيفا قَيْميا مُتَّفقا على عمومياته ومُختلفا حول تفاصيله.

في المحور الأول، قال الكاتب إن الإعلام من حيث هو محرك لمسار الأمة والتاريخ، يعد قضية خاضعة للمساءلة والنقاش مثل كثير من القضايا الأخرى، مشيرا إلى أن الإعلام العربي في مجالاته المختلفة يعد منطقة جذب لقوتين تتصارعان، قوة رجال الدين وقوة رجال السياسة، رغم التراجع الظاهر لسلطتيها، والمتابعة اليومية لكل ما يقدم في مختلف وسائل الإعلام تكشف أن السلطتين تظهران بشكل مباشر أحيانا، أو تتسرّبَان عبر الأوامر الخفية أو الأحكام القيمية أحيانا أخرى، وعبرهما يتم الحكم على الإعلام من خلال طرحه للمقدس والمدنس، وبذلك تجد الجماهير العربية مأخوذة، طوعا أو كرها، لتفسير أصحاب السلطتين.

والكاتب الجزائري بن ققه، صاحب تجربة واسعة في الإعلام المكتوب والمرئي، حيث عمل في الصحافة الجزائرية والعربية في كل من مصر والإمارات، كما عمل كصحفي مختص في مجال الشؤون السياسية الدولية والعربية في عدد من الصحف العربية.

خالد عمر بن ققه: الإعلام يواجه ضغوطا من رؤوس الأموال وقادة الأحزاب والنخب المثقفة

كما تحدث عن الإعلام بشكل عام والعربي بشكل خاص، قائلا إنه لا يواجه ضغوطا من السلطتين السياسية والدينية فحسب، ولكن وبشكل متواصل هناك ضغوط وأحيانا استفزازات من أصحاب رؤوس الأموال وقادة الأحزاب والمشاهير والنخب المثقفة وحركات الجمهور العادي، خاصة عند توتر شبكة العلاقات الاجتماعية أو قيام انتفاضات أو ثورات.

وأضاف أنه أمام مثل هذا الوضع يحاول الإعلامي التأقلم من خلال نماذج متعددة. وأشار إلى أن الدكتور بسيوني إبراهيم حمادة حددها بـ12 نموذجا منها: المُتمِّلق ومُهمَّته الإعلامية الأساسية التبرير وإخفاء السلبيات والمبالغة في عرض الإيجابيات، وشنّ حملات العداء على الخصوم والوقيعة، والنموذج الأبوي، حيث يرى الإعلامي أن مهمته تتمثل في النقل المحايد والأمين كما يراه السياسي سواء أكان مقتنعا في داخله أم لا.

أما الثالث فهو رجل البريد المنضبط: والإعلامي هنا ما هو إلا قناة لنقل المعلومات والأفكار والآراء. والرابع البيروقراطي ـ الموظف: حيث يكون للإعلامي مهمة وهدف محدد له مرسوم سلفا، والخامس هو الأناني حث يكون كل همّ الإعلامي مركزا على مصلحته.

والنموذج السادس هو الُمتمرد فاقد الهدف والبرنامج: ويتميز بالسخط والتمرد وقد يقدم نقدا لموضوع ما، لكنه لا يُقدّم البديل لغياب الهدف والبرنامج الموجّه. أما النموذج السابع فهو المُتهوّر، حيث يعيش الإعلامي حالة من الانبهار بالغرب ويشعر بالاستعلاء على المجتمع لا تشغله السياسة بقدر ما يستهويه الفن، وتكوين العلاقات وتدمير ـ بوعي أو دونه ـ أصول المجتمع، والنموذج الثامن هو المثقف وهنا يكون الإعلامي واسع المعرفة، مهتما بقضايا مجتمعه، مُعبِّرا عنها، يرى النقد الهادئ والإصلاح التدريجي قد يأتي بنتيجة أفضل، والتاسع هو المعارض صاحب البرنامج: وهنا يكون الإعلامي منتميا لحزب معارض له برنامج محدد، والعاشر هو الناقد الموضوعي حيث يكون الإعلامي مثقفا عضويا، ملتحما بالجماهير، وهو رمز التغيير إلى الأفضل في المجتمع. أما النموذج الحادي عشر، فهو صاحب الرسالة وهو الإعلامي الذي اختار مهنته عن طواعية، وفرض المسؤولية على نفسه باختياره الحر، ووَهَب نفسه من أجل إرساء قواعد الحق والعدل والسلام في المجتمع.

أما الأخير فهو الإسلامي المستنير: وهنا يكون الإعلامي غير منتم إلى حزب أو تنظيم بقدر ما ينتمي إلى فكر، ومهمته الأساسية إبراز الوجه الحضاري للإسلام في مواجهة خصومه.

وتطرق إلى المحور الثاني وهو ضيق الأوطان، مشيرا إلى أن هذا المحور يركز على أمرين، الأول: تراجع المقدس واستفحال المدنس، من خلال الأفعال الفردية والاجتماعية وتأثيرها على الإعلام أو تأثرها به، والثاني: صيغ الجمال والقبح داخل المجتمعات العربية، نتيجة التراجع والاستفحال.

وقال بن ققه إن التحليل السابق يقودنا إلى المحور الثالث، وهو تغير التوجه العام للإعلام من خلال تأثير الأشرار والأخيار على منظومة القيم، بدءا من طرحنا لمسألة الحرية في اللباس والأكل، وانتهاء بالانتماء إلى العقائد والأوطان، وفي هذا التغيير نجد اصطفافا منظما من طرف قوى فاعلة، منها ما هو إجرامي مثل التنظيمات الإرهابية، ومنها ما هو صاحب رؤية مختلفة أو متناقضة مع قناعات المجتمعات العربية، وأكثر خطورة تلك التي تسهم في فشل الدولة أو تقسيمها، وعلى ذلك تقْتات الكثير من وسائل الإعلام.

واختتم محاضرته بالقول إن المشاهد للقنوات الفضائية في كثير من الدول العربية، يدرك المأزق الحقيقي الذي نعيشه، حيث الذهاب بعيدا في تدمير فضاءات الأوطان، وما يتبعها من سيطرة المدنس، الذي لا ينفع معه التطهير.

18