الإعلام العربي بين الموضوعية والتوظيف

الجمعة 2017/06/09

تشعبت أدوار الإعلام ووظائفه حتى غدا مصطلحا غائما ضبابيا يصعب الاتفاق حوله، أو الالتقاء حول تعريفه وتحديد مهامه.

الإعلام جزء من إفرازات العولمة، بل عنوانها بالبند العريض. آليات التحكم والسيطرة وحتى التدجين، تخضع لثلاثة عوامل رئيسية وهي؛ سطوة النفوذ والجاه وفعالية المال وتأثير الإعلام.

تشن الصراعات والحروب إعلاميا قبل أن تدار على أرض الواقع. الإعلام إذن آلية استنزاف لـ”العدو الفعلي أو الافتراضي”، يطوعه أصحاب الجاه والمال ويديرون دواليبه بطرق شديدة التعقيد، فأسسوا ممالك الإعلام وأضحى مالكوها أباطرة العصر وأمثلة ذلك عديدة ولعل أبرزها روبرت ميردوخ وهو مؤسس ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي للمجموعة القابضة للإعلام الدولي “نيوز كوربوريشن” وأصبحت المجموعة تمتلك أكثر من 800 شركة في أكثر من 50 بلدا في العالم بصافي أصول تقدر بمليارات من الدولارات.

الساسة في العالم يخطبون ود أباطرة الإعلام ليفوزوا في الانتخابات ثم لينفذوا مشاريعهم السياسية. في هذا الاتجاه سارت السياسات العربية، وغدا الإعلام العربي يتخبط بين مسارات البحث عن الموضوعية واحترام خصوصية المهنة، وبين التوظيف السياسي بأشكاله الليبرالية والدينية والعرقية وغيرها.

اليساريون لهم إعلامهم وتيارات الإسلام السياسي لها إعلامها والليبراليون لهم إعلامهم والدول لها إعلامها، إلا الشعوب بشرائحها الاجتماعية الضعيفة والمسحوقة بقيت خارج اللعبة ولا تدخلها إلا للتوظيف والاستغلال.

قطر مثلا أسست مملكتها الإعلامية الجزيرة وقنواتها المختلفة ولغاتها المختلفة أيضا، بوفرة عائدات غازها الطبيعي. استقدمت خيرة الوجوه الإعلامية، أغوتهم بالمال ليكونوا الأداة المثلى للتأثير في الجماهير.

احتضنت الثائرين في ذروة منسوبهم الثوري خلال الانتفاضات العربية. اقتحمت الساحات “المحرمة” الخاصة بالحكام، تونس وليبيا أبلغ مثال على ذلك.

الكل -ودون وعي بما يجري آنيا واستراتيجيا- انساق وراء “موضوعية” موهومة، وحرص على مصلحة الشعوب الثائرة مغلف بالمصالح، ودعم خفي في بدايته للتيارات الإسلامية المعتدلة والجهادية ثم انكشف المستور.

أرقام مالية مهولة وضعتها قطر لتتسيد العالم العربي -الحلم الذي ظل يراودها ولن يتحقق- إنها ولا شك عقدة الحجم التي تعاني منها، إذ ليست لديها طاقات بشرية وجغرافية وعسكرية وحتى منطقية لتقود محيطها. الشعب القطري نفسه في جزء منه جاء به التجنيس.

وحزب الله في لبنان أنشأ قناة “المنار” لتكون أداة تواصله مع جمهوره أولا وأداة دعايته في الأوساط العربية والإسلامية ثانيا فكرس البعد الطائفي.

جماعة الإخوان المسلمين طوعت الإعلام التقليدي في مصر وقطر وتركيا والدول الغربية لخدمة مشاريعها التي تقوم أساسا على ملامسة الجانب العاطفي الروحي في الآخرين بهدف التأثير المباشر فيهم، وبذلك تسعى إلى تجذير أهم مبدأ فكري في مرجعيتهم الأيديولوجية وهو مبدأ التمكين. واستثمرت الجزيرة القطرية في صراعها مع الدولة المصرية.

تركيا أيضا وخدمة لأهداف “السلطان” رجب طيب أردوغان استنفذت طاقاتها الإعلامية لنشر “الأردوغانية” في محيطها الإسلامي والعربي لغايات إقليمية.

ما ذكر ليس إلا مجرد أمثلة عن التوظيف السياسي الفج للإعلام.

ولكن ما مصير الإعلام النزيه الذي من المفروض أن يلتزم بالموضوعية والحيادية وهما لازمتان ليقوم الإعلاميون بأدوارهم الحقيقية؟

لا ننفي بأن هناك دوما صراعا بين المنحازين للحرية والديمقراطية وبين المتمسكين بالاستبداد ومظاهره. هناك إذن إعلام رسمي منحاز ينطق باسم السلطة، وإعلام شعبي موضوعي ولو بنسب مختلفة بحسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية والحضارية عموما. إذا كان الإعلام من أقوى أسلحة الصراع الحديث، ولا يمكن تحييده لمعطيات موضوعية أيضا، فلا بد أن يراعى في هذه المعادلة بل المفارقة بين الموضوعية والحيادية من ناحية وبين التوظيف من ناحية ثانية، الجانب المهني ليقوم الإعلاميون بأعمالهم بحرفية، بقطع النظر عن انحيازهم لهذا الشق أو ذاك.

الواجب ألا نصنع من الإعلام وبالإعلام إرهابا شديد الخطورة، يقود الصراعات كالأعاصير التي تدمر كل شيء. الغرب استطاع التحكم في أطراف المعادلة. كرس الحرية والموضوعية كشف الحقائق، وفي نفس الوقت كان الإعلام يوظف لحمل المشاريع السياسية والاقتصادية والدفاع عنها حتى في الأوقات التي ترتكب فيها الأخطاء.

مازال أمام العرب الكثير ليتعلموه في كيفية التعامل مع الإعلام على خطورة مآلاته. ولو أننا نسجل وبكل ارتياح بأن الإعلاميين العرب استطاعوا بطريقة ما تكسير الهالة التي تصاحب دوما الحاكم. نزعوا عنه قدسيته وجردوه من سواتره، وكشفوا خبايا في شخصيته وسياساته. الطريق لا تزال طويلة لينجو الإعلاميون وهم يقومون بواجبهم المهني من المخاطر. عندها فقط نستطيع أن نعلن أن الإعلام العربي أصبح آلية تنمية وتقدم وتطور على درب الحرية والديمقراطية.

18