الإعلام العربي وأزمة المحتوى الإلكتروني

الاثنين 2015/01/12

سجّلت في السنوات الأخيرة معظم وسائل الإعلام العربية، من صحف ومجلات مطبوعة وقنوات إذاعية وتلفزيونية، حضورا على شبكة الإنترنت مستفيدة في ذلك بما توفّره هذه الشبكة من تكنولوجيا وتقنيات حديثة لنشر الأخبار والتفاعل مع المستخدمين.

إلاّ أن السؤال المطروح هو هل أن هذا الانتقال من الأسلوب التقليدي إلى الأسلوب الإلكتروني للنشر جاء نتيجة تخطيط استراتيجي واضح لتطوير المؤسسات الإعلامية وتعزيز حضورها على الشبكة، أم هو مجرد اتّباع لـ”موضة التكنولوجيا” التي سادت في مختلف القطاعات خلال العشريتين الأخيرتين؟

يبدو أن معظم وسائل الإعلام العربية قد ارتأت ضرورة تعزيز حضورها على شبكة الإنترنت، لكن لا يبدو أن هذه الوسائل الإعلامية بمختلف أشكالها قد مرّت إلى الشبكة ضمن خطّة استراتيجية واضحة تأخذ بعين الاعتبار مفهوم الإعلام الالكتروني وأدبياته والفرق بينه وبين الإعلام التقليدي، مما أدّى إلى ظهور مواقع إنترنت عربية تفتقر إلى المعايير الأساسية للمواقع الإخبارية وشروط نجاحها في جذب المستخدمين وتعزيز التفاعل معهم.

تتمثل الميزة الأساسية لأغلب المواقع الإخبارية العربية المرتبطة خاصة بالصحف والمجلات بالقيام بعملية “نسخ ولصق” لما يُنشر في النسخة المطبوعة وتحويله على النسخة الإلكترونية، ضمن طريقة عرض مختلفة، بنفس الأسلوب وبدون أية معالجة، ولا تكاد توجد أية قيمة مضافة تذكر مقارنة بالنسخة الأصلية المطبوعة.

ورغم أن الموقع الإخباري، كصنف جديد من أصناف وسائل الإعلام، يعمل ضمن فلسفة إعلامية مختلفة تُركّز على مفهوم “الإعلام الثري” (Rich Media) الذي يوفر للصحفي وللمؤسسة الإعلامية بصورة عامة، تقنيات جديدة من شأنها إثراء الخبر أو التحقيق الصحفي ودعمه بالصورة والصوت والفيديو والخرائط التفاعلية والمصادر الإخبارية والحجج والبراهين التي يمكن للمستخدم التأكد من صحّتها والرجوع إليها عبر الروابط التشعبية، إلاّ أن معظم المواقع الإخبارية العربية ما تزال تعتمد على العناصر التقليدية في نشر الخبر وهي النص والصورة وتقديمهما في أسلوب صحفي تقليدي بعيدا كل البعد عن مفهوم وفلسفة الإعلام الجديد.

إن عناصر القيمة المضافة التي يتميز بها الموقع الإخباري تكمن، بالإضافة إلى توظيف عناصر الملتيميديا، في المتابعة وتحديث الأخبار طبقا لقاعدة الآنية، وإعادة صياغة الخبر بأسلوب خفيف وفقرات قصيرة، لتتماشى مع طبيعة الشاشة والأخذ بعين الاعتبار خاصيات المستخدم.

وفي هذا الإطار، يتّفق المختصون في علوم الإعلام والاتصال على أن خصائص المتلقي للمضامين الإعلامية تختلف باختلاف وسيلة الإعلام نفسها. كما أن مستخدم المواقع الإخبارية ومواقع الإنترنت بصورة عامة، يبدو مستخدما صعبا يفتقد للصبر ويرغب في الحصول على المعلومة بسرعة، ولن يتردّد في تغيير الصفحة إذا لم يحصل على مبتغاه قبل مرور ثلاثين ثانية، أو ينتقل من موقع إلى موقع آخر إذا لم يحصل على المعلومة بعد ثلاث نقرات. ويضاف إلى ذلك كله، أن القراءة على الشاشة، وطبقا لنظرية الإدراك المرتبطة بعمل الدماغ، تُفقد التركيز لدى المستخدم بنسبة 30بالمئة مقارنة بالمطبوع.

في أقل من عشر سنوات، تطور مفهوم “المستخدم” على شبكة الإنترنت بفضل تطور تكنولوجيات الاستخدام، وأصبح الباحثون في هذا المجال يميلون لاستعمال مصطلح “المتفاعل” الذي أصبح أكثر حرصا على المشاركة وأكثر صعوبة في تقييم المضمون.

وبذلك، يتبن لنا أن المواقع الإخبارية تمثل صناعة إعلامية جديدة لها خصوصياتها ومعاييرها وشروط معيّنة لنجاح منتجاتها. وليس من الغريب أن يعاني الإعلام العربي الإلكتروني إلى اليوم من أزمة في المحتوى وضعف شديد في مستوى تحقيق القيمة المضافة لمستخدميه، مقارنة مع ما وصلت إليه التجارب الغربية في هذا المجال. لأن هذا المصنع الإعلامي الجديد لربما لمْ يُبن على أسس صحيحة وتخطيط استراتيجي سليم، يأخذان بعين الاعتبار التطورات الجديدة في مستوى مفهوم اندماج وسائل الإعلام وضرورة تأهيل الكوادر البشرية لتحقّق القيمة المضافة المطلوبة.


أكاديمي وخبير إعلامي – مملكة البحرين

18