الإعلام العربي يتخبط وداعش يفرض شروطه

الخميس 2014/10/30
داعش تستخدم أفضل التقنيات للترويج لقوتها وإرهابها

بغداد - حملات إعلامية واسعة ضد تنظيم داعش، لكنها لم تستطع إيقاف ماكينته الإعلامية المؤثرة على الشباب خاصة، وغياب التغطية الصحفية من مناطق سيطرة التنظيم تسهم في ضبابية المشهد أكثر فأكثر.

آلاف التقارير الإخبارية رصدت التطور الإعلامي للدولة الإسلامية المعروفة إعلاميا باسم “داعش”، واستخدامها لأحدث التقنيات والتكنولوجيا الرقمية، في جذبها للشباب لتجنيدهم في صفوفها، وهذا الاستقطاب استهدف حتى المثقفين والحاملين لشهادات علمية عالية، مما يؤكد امتلاك التنظيم لأدوات الخطاب المؤثر والفعال على من يستهدفهم.

في المقابل فشلت جميع محاولات الإعلام العربي في صد هذه الحملة “الداعشية”، أو الوقوف بوجهها عبر خطاب مقنع، يستطيع التأثير على الفئة التي يستهدفها التنظيم الإرهابي، وليس على الجمهور العربي المعتدل الذي يكتفي بمراقبة نشرات الأخبار، وأفعال التنظيم الإرهابي، مع موجة من الاستنكار والإحباط.

ولعل أبرز مواطن ضعف الإعلام العربي في هذا المجال هو غياب التغطية الصحفية، أو مصادر الأخبار من المناطق التي يسيطر عليها التنظيم، والاكتفاء بالشائعات وما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي لا يمكن بأي حال الاعتماد على مصداقيتها، والتعامل معها كمصدر للأخبار، وهو ما استفاد منه التنظيم في الترويج لصورته كقوة ضاربة تجتاح المنطقة، وترهب من يقف بوجهه.

ومنذ سيطرة التنظيم على أجزاء واسعة من العراق وسوريا، انقسم الصحفيون إلى قسمين رئيسين، الأول ترك العمل الصحفي تماما وهو يعاني بشدة جراء فقدانه عمله، أما القسم الآخر فقد آثر إعلان موالاته لتنظيم “داعش” من أجل الحفاظ على حياته، وهناك من بقي يعمل وسط ظروف صعبة وخطيرة للغاية. وذكر أحد الصحفيين في منطقة صلاح الدين، رفض الكشف عن اسمه، أن أوضاع الصحفيين هناك صعبة للغاية، وأن “داعش” أصدر مؤخرا قائمة بأسماء 16 صحفياً مطلوبين للتنظيم الذي طالب بقية الصحفيين بإعلان التوبة عن العمل الصحفي.

وقال أن الآلية التي تتم عبرها التغطية الصحفية تتمثل في التغطية عن بعد وبصورة غير مباشرة وذلك عبر الاعتماد على المصادر الطبية المتعاونة مع الصحفيين وشهود العيان ومصادر المعلومات الخاصة لكل صحفي.

ويصف التقرير الأخير لمنظمة مراسلون بلا حدود حول أوضاع الصحفيين في مناطق النزاع بسوريا والعراق وضع المناطق الخاضعة لسيطرة “داعش” بأنها باتت “بمثابة ثقوب سوداء لوسائل الإعلام، وقد لفت التقرير إلى أن “مـا لا يقــل عن 60 بالمئة إلى 70 بالمئة من صحفيي الموصل هجــروا المدينة، فيما يبقى الآخرون في منازلهم، حيــث يرجَّح أن يكون التنظيم قد هددهم بالقتــل فــي حال إقدامهم على تغطيــة الأحــداث الجــارية”، وأضاف التقرير أن “تسعة صحفيين حاليــاً في قبضة التنظيـم، بينمـا لا يـزال تسعـة آخـرون عالقـين في محافظـة الموصل وصـلاح الديـن”.

هادي جلو مرعي: "ليس بإمكان أية جهة معرفة معلومات عن الصحفيين العالقين"

ويؤكد رئيس جمعية الدفاع عن حرية الصحافة ابراهيم السراجي أن ما أورده تقرير مراسلون بلا حدود “يعكس حال الصحفيين في المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم”، وأن “ما لايقل عن 400 صحفي منهم فروا إلى إقليم كردستان وهم يعيشون أوضاعا بالغة الصعوبة بسبب فقدانهم عملهم وصعوبة توفير المساعدات لهم”.

ويصف السراجي محاولات بعض الصحفيين الاستمرار بتأدية مهام التغطية الصحفية في المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم “داعش” بأنها محض انتحار، لافتا إلى أن جمعية الدفاع عن حرية الصحافة طالبت مرارا وسائل الإعلام المختلفة بعدم إرسال طواقمها إلى مناطق النزاع مع التنظيم أو إلى المناطق الخاضعة لسيطرته لأن الموت الحتمي سيكون بانتظار هذه الطواقم على أيدي مسلحي التنظيم المتشدد.

وأكد ياسر الحمداني، رئيس مكتب الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحفيين في الموصــل، أن تسعة صحفيين من قناة “سما الموصل” اختُطفوا على مدى أيام منذ الجمعة الماضية، من قبل “داعش”. وأضاف أنه لا أحد يعلم الجهة التي اقتاد عناصر “داعش” الصحفيين إليها، وما هو مصيرهم.

وفي الوقت الذي أقدم تنظيم “داعش” على إعدام ما لا يقل عن أربعة صحفيين آخرهم، مصور قناة سما صلاح الدين محمد رعد العـزاوي، الذي أعدم ذبحـاً أمــام المــلأ في قرية سمـرة (محافظـة صلاح الديـن) في أكتوبر الحالي، فيمـا يجهل تماما مصيـر الصحفيين الذين لا يزالون عالقـين في المنــاطق الخاضعة لسيطرته، ويؤكد هادي جلو مرعي رئيس مرصد الحريات الصحفية أنه ليس بإمكان أية منظمة أو جهة معرفــة أية معلومات عن أوضاع أولئك الصحفيين. ويلفت مرعي إلى أنه كانت هناك فرصة لإخراج الصحفيين الذين هددهم تنظيم القاعدة في نينوى وصلاح الدين بالقتل قبل العاشر من يونيو الماضي، إلا أن هذا الأمر بات شبه مستحيل الآن “فالوضع غاية في الصعوبة والخطـورة”.

في هذا السياق يوضح ميثم حنضل عضو مجلس المفوضين في المفوضية العليا لحقوق الإنسان أن تمكن عدد قليل من وسائل الإعلام من التغطية الصحفية للأحــداث في المناطق الساخنــة عموما بات يعتمــد بالدرجة الأساس على طبيعــة العلاقات التي تملكها هذه الوسيلة الإعلامية أو تلــك مع القوات الأمنية، أو الأحزاب السياسية بهدف تأمين الحماية لصحفييها العاملين في الميدان ورفدهم بالمعلومات، لافتا إلى أن المفوضية قد طالبت القــوات الأمنية بتوفير الحماية لجميع الصحفيــين دون استثنـاء. من جهته يقر شيخوان عبد الله عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي بعدم وجود أية آليات لتوفير الحماية للصحفيين في المناطق الساخنة أو تلك الخاضعة لسيطرة تنظيم “داعش” وأن ما توفره القوات الأمنية من حماية لبعض الصحفيين هي “حماية نسبية”.

وكان مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي “إف بي آي” حذر قبل أيام، وكالات الأنباء العالمية من جماعة تابعة لتنظيم “داعش”، مكلفة باستهداف الصحفيين واختطافهم، وفقا لصحيفة “واشنطن بوست” الأميركية. وأكد “إف بي آي” أنه حصل مؤخرا على “معلومات ذات مصداقية”.. تشير إلى تكليف “داعش” لمجموعة بعينها باستهداف الصحفيين فى المنطقة واختطافهم ونقلهم إلى معاقل التنظيم في سوريا.

18