الإعلام العربي يفشل في امتحان إدارة أزمات المنطقة

يعد الإعلام جزءا من الأزمة العربية الراهنة، وهذا ما تؤكده آراء مختصين في المجال بقطع النظر عن انخراط وسائل إعلامية معينة في الأزمة كجزء من صناعة زخم حولها وتبريرها مثل تعامل قناة الجزيرة القطرية مع الجماعات الإسلامية والتحولات السياسية في بعض الدول العربية خاصة مصر، الأمر الذي يدفع إلى المزيد من التعمق في هذا المبحث.
السبت 2016/05/28
هل توغل الإعلام العربي كي يصل إلى هنا

نيويورك - كشفت التغييرات المتتالية على الساحة العربية في ظل الثورات العربية التي حدثت وما سببته من حروب، عن العجز الذي يعانيه الإعلام العربي المرئي والمقروء الذي خرج من دائرة إدارة الأزمة إلى حيث صناعتها، بل وتعداها ليصل في بعض الأحيان إلى أن يكون محركا لها، الأمر الذي أفقده مصداقية كبيرة في نظر المواطن العربي الأميركي الذي يعتمد عليه اعتمادا يكاد يكون كليا لمعرفة معظم أخبار الوطن العربي وأحداثه، ما أسقطه بذلك في فخ التبعية وفقدان المهنية والمصداقية، وتحولت الأنظار بذلك نحو الإعلام الغربي الذي، وإن لم يكن مستقلا، اكتسب نوعا من المهنية ونقل الحقيقة المصورة كاملة أكثر من الإعلام العربي، فأصبح الإعلام الغربي المصدر المفضل ذا المصداقية الأكثر لدى المواطن العربي المهاجر.

للإعلام دوما دور فاعل ومحوري في صياغة الأحداث في أي أزمة من خلال العمل على التوعية بالأزمة القادمة والحشد لها عبر خلق رأي عام، الأمر الذي يتطلب تبصير الفرد بما يحدث وخلق الإحساس بالمسؤولية تجاه ما قد يكون، وهذا كله يتم بتلقي الفرد المعلومات الصحيحة اللازمة من خلال الإعلام المرئي والمقروء والاهتمام بالاستعانة بخبراء ومحللين لإجراء التحليلات والتعليقات، والهدف من ذلك خلق رأي عام واع وموحد مهيأ لاستقبال ما قد يحدث وتقبل نتائجه على أن يكون كل ما ينقل صحيحا وبطريقة تمتلئ بالحرفية والشفافية. لكن في خضم الأحداث المتلاحقة، فقد الإعلام العربي بوصلته وأصبح يعيش حالة من التخبط ما جعله هشا ضعيفا ركيكا يفتقد كل مكونات الإعلام المهنية.

صورة مشوهة

يرى الإعلامي عمر مقداد من مكتب قناة الغد العربي في ولاية واشنطن دي سي أن الإعلام العربي اليوم جزء من المشكلة في حد ذاتها لأنه إعلام موجه في الكثير من الأحيان ويكاد يكون بعيدا كل البعد عن الحقيقة ولا يتم نقل إلا ما يتم الموافقة على نقله من قبل السلطات المعنية، الأمر الذي جعله ضعيفا في نظر المواطن العربي الأميركي الذي يستقي معلوماته من عدد من القنوات ووسائل الإعلام الأخرى سواء الناطقة باللغة العربية أو بلغات أخرى، وخاصة اليوم مع تواجد عدد من القنوات الإخبارية غير التابعة للبلد الذي يجري فيه الحدث حيث أصبح نقل الصورة أكبر وكل ناقل للحدث يتحدث عنه بطريقة مختلفة وبأراء مغايرة، الأمر الذي أحدث بلبلة وزيادة في الشق بين الحاكم والمحكوم بل وتعداه إلى أبناء البلد الواحد، مما جعله في نظر الكثيرين إعلاما مؤججا ساهم كثيرا في انقسام الناس من أبناء البلد الواحد وحتى بين الشعوب العربية وساعد على زيادة التخريب في ما بينها.

الإعلام الغربي أصبح المصدر المفضل لدى المواطن العربي المهاجر لأنه ذو مصداقية رغم ما فيه من تحيز

وهو بذلك يرى أنه حتى القنوات الأكثر مشاهدة في المهجر والأكثر تأثيرا مثل قناة الجزيرة وغيرها كقناة العربية، انحازت لجانب دون آخر وسقطت في فخ التبعية، فالأولى جعلت من نفسها بوقا لأحزاب الإسلام السياسي في حين مالت الأخرى إلى الجانب الكاره لهم والمتبني للصوت الليبرالي، ما ساهم بذلك في خلق رأي عام موتور بعيد كل البعد عن الحقيقة تماما، الأمر الذي أضعف المهنية وغيبها بعدما أصبحت تلك القنوات في حالة اصطفاف وأبواقا لكل توجه، فغابت الحقيقة في غياهب الانقسامات، وأصبح كل صوت مناقض للآخر يكاد يكون معدوما وممنوعا من الظهور لدى الآخر فسقط في فخ النمطية في الإعلان عن ترتيب خطاب الشارع، متناسيا أن الخطاب غير المبني على أسس منطقية هو خطاب عشوائي غير منظم الهدف منه فقط استهداف الآخر والعمل على شيطنته.

أسهم كل ذلك في عدم تهدئة الأوضاع بل إشعالها دوما، ما جعل ذلك الإعلام بلا أي تأثير واضح بل أصبح في نظر الكثيرين إعلاما سمجا بليدا خاليا من الاحترافية، لا يمكن الوثوق فيه كمصدر استقاء للمعلومات في مناطق النزاعات كونه فاقدا لحريته ومهنيته ومصداقيته بل أضحى صوتا وتابعا لمن يدفع أكثر.

المال والإعلام

الإعلامي محمد الخشاب، مدير شركة ريتش ميديا وقنوات آرت أميركا في مدنية نيويورك في الولايات المتحدة، يرى أن سيطرة رأس المال الخاص ودخول رجال الأعمال على الخط باختلاف توجهاتهم أضرا كثيرا بالإعلام وأفقداه مصداقيتة.

عمر مقداد: الإعلام العربي اليوم جزء من المشكلة في حد ذاتها لأنه إعلام موجه

فالمتحكم الرئيسي يعود لقوة رأس المال وتوجهه السياسي والديني، الأمر الذي يضعف الإعلام العربي كثيرا وأصبح كل من هب ودب لديه القدرة علي دخول سوق الإعلام يستطيع أن يكون له موطئ قدم والتحكم فيه. واستدل الخشاب على ذلك بالإعلام المصري الذي يرى أنه انحرف كثيرا وابتعد عن صوت الحقيقة وأصبح ناقلا للصورة دون حيادية في بعض الأمور، فأصبح للأزمة المعروضة أكثر من حقيقة وأكثر من وجهة نظر، وهو ما ساهم في شرخ المجتمع ومن ثم التأثير على نفسيات العرب المصريين في المهجر وأصبحوا مع الوقت منقسمين على أنفسهم.

ويضيف أن الإعلام العربي اليوم لا يستطيع أن يدير الأزمات بل إنه في ظل المتغيرات والتداخلات المستمرة على الساحة أصبح جزءا منها وفي الكثير من الأحيان صانعا لها، فأصبح غير موثوق به، ويقول خشاب “يخطئ من يعتقد بوجود إعلام حر، إذ لا وجود لذلك، ولكن هناك إعلاما يمتلك مهنية وحرفية عالية مع رؤية واضحة وحسن إدارة وقت الأزمات للعمل على توحيد الصفوف وكسب الرأي العام. وهذه الآشياء معظمها لا تتوفر في الأجهزة الموجودة في الوقت الراهن، فكوادر اليوم يدافعون عن كل ما يملكون بمبادئهم، الأمر الذي جعل الإعلام العربي سبب الكوارث التي نعيشها وهو الأزمة الأولى بعد أن أخذنا إلى منحدر مبهم”.

ويرى مدير قنوات آرت أن الإعلام لا يجب أن يترك دون ضوابط لسيطرة رجال المال وأهوائهم السياسية، بل يجب المحافظة عليه من خلال إنشاء قناة عربية مهجرية تمتلك رؤية واضحة مع المحافظة على هويته وكوادر منفتحة تتحلى بمهنية وحرفية عالية تبحث عن معلوماتها من مصادرها الخاصة في الوطن العربي ولا تعتمد على أحد، هدفها نقل الصورة بواقعية وحيادية من دون اتباع بلد ما بل تتبع العرب الأميركيين.

ثقة مفقودة

تؤكد الأكاديمية سحر خميس، أستاذة الإعلام والاتصال في جامعة ميرلاند الأميركية، أن الإعلام العربي أصبح مفتقرا لمعايير المهنية والحرفية والمصداقية وأصبح في احتياج كبير لوجود كوادر جديدة من الإعلاميين العرب المدربين القادرين في تغطيتهم وتناولهم للحدث على فن التغلب والسيطرة على الأزمة بصورة سريعة للحد من تفاقمها، وبذلك يعود قويا قادرا على منافسة وسائل الإعلام الأخرى.

وترى أن وسائل الإعلام العربي اليوم تفتقد إلى ثقة المواطن العربي الأميركي ما جعله يستبدلها بوسائل الإعلام الغربية في الحصول على المعلومة الصحيحة بعد أن افتقد مؤخرا إلى المعلومة الكاملة والسرعة في نقلها بصورة صحيحة وحيادية، خاصة في وقت الأزمات التي تحتاج إلى المعلومة الدقيقة والشاملة والصحيحة، ما جعل المواطن العربي الأميركي يعتمد بشكل كبير على صحافة المواطنة كبديلة عن وسائل الإعلام العربي، وخاصة في ظل التطور التكنولوجي الحديث حيث لا تعتمد معظم الأجيال الجديدة الآن على الصحافة العربية بل تحصل على الأخبار من خلال الإنترنت بطريقة أسرع أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

من وجهة نظر خميس يعود ذلك إلى تسابق وسائل الإعلام في الحصول على الربح المادي من خلال السبق الصحافي دون الاهتمام بمضمون الموضوع وطريقة عرضه بطريقة صحيحة تعطي نتائج مثمرة تلقي بظلالها على المجتمع، ومن يتابع ما ينشر في الصحف وما يذاع في الفضائيات العربية يجد أنها باتت مزدحمة بأخبار وبرامج الإثارة التي أعيت جمهور المتابعين والقراء وأصابتهم بالارتباك والقلق في بعض الأحيان، ومع التكرار والتضخيم والتهويل والتضارب في ما بينها أحدث شرخ بين أطياف الجمهور، ودب الانقسام والبلبلة فيها، ومن ثمة خرجت تلك الفضائيات عن دورها الرئيسي التثقيفي والتنويري والتوعوي، وهذا انعكاس لأزمة عامة في كل المجالات.

6