الإعلام الغربي يستفيد من انتقائية نظيره العربي في عرض محتوياته

المنابر المصرية لا تستغل القواعد المهنية للإعلام الغربي في حق الرد.
السبت 2021/07/31
الصحافة المحلية لم تستخدم الانتقائية بصورة تخدم توجهاتها

ظهر الإعلام العربي عموما والمصري خصوصا في العديد من المرات متناقضا في تعامله مع ما تنشره الصحافة الغربية، فقد جرى الاحتفاء بتقارير إيجابية نشرتها صحف دولية كبرى، في حين تم اتهامها بالمؤامرة ونشر الأخبار الكاذبة في تقارير أخرى، دون أن يكون الرد الإعلامي العربي مقنعا للجمهور الغربي.

القاهرة - تتحول رؤية بعض وسائل الإعلام العربية لنظيراتها الغربية الرصينة بين ليلة وضحاها من أدوات تستهدف نشر الأكاذيب والترويج لمؤامرات إلى دليل للتأكيد على النجاحات أحيانا، وهو تناقض خلق فجوة في المضمون الذي يقدمه كل طرف.

وظهرت تجليات هذه المعادلة في تناول بعض وسائل الإعلام لمقاربات بعض الصحف الغربية في مجالات اقتصادية وسياسية وحقوقية مختلفة في مصر، ما جعل صحفا غربية تبدو كأنها ظالمة ومظلومة في آن واحد، وهو ما اصطحب معه مردودا سلبيا على مصداقية الإعلام المحلي مقابل تعزيزه لدى وسائل الإعلام الغربية.

وهناك جملة من الوقائع ظهر فيها الإعلام متناقضا من جهة تعامله مع المحتويات المنشورة في الصحافة الغربية، فقد جرى الاحتفاء بتقارير نشرتها صحف كبرى أميركية وبريطانية كشفت ارتفاع حجم الانتهاكات التي ارتكبتها الحكومة الإثيوبية في إقليم تيغراي، الأمر الذي تعاملت معه صحف مصرية باهتمام لأنه موجه ضد أديس أبابا التي تخوض معركة فنية وسياسية ضد القاهرة بسبب سد النهضة.

ودرج الإعلام المصري على تقدير التقارير التي تتعلق بالتعامل الإيجابي مع الاقتصاد المصري وتتعمد إبراز الإشادات الخاصة بإجراءات الإصلاح التي اتخذتها الحكومة على مدار السنوات الماضية.

وتحدثت صحيفة فاينانشيال تايمز الأميركية عن تحول مصر إلى وجهة مفضلة لدى مستثمري السندات الدوليين الباحثين عن عوائد مرتفعة في بيئة عالمية غير مستقرة على نحو متزايد، وذلك في أحد التقارير التي نشرتها قبل عامين وحظيت باهتمام من الإعلام المحلي الذي ركز على تأكيد الصحيفة أن التحول الاقتصادي يمثل نجاحاً للحكومة وأن المستثمرين أشادوا بالإصلاحات الجريئة التي نفذتها الحكومة.

عصام كامل: الأسهل دائما بالنسبة إلى وسائل الإعلام الحديث عن المؤامرة
عصام كامل: الأسهل دائما بالنسبة إلى وسائل الإعلام الحديث عن المؤامرة

لكن الانتقادات التي وجهتها الصحيفة ذاتها الشهر الماضي لبعض مشروعات العاصمة الإدارية الجديدة وتسليطها الضوء على عدم إتاحة الفرصة بشكل كامل للمستثمرين الأجانب للعمل بحرية كانت مثار انتقادات صحف عديدة على رأسها "اليوم السابع" (خاصة)، والتي اعتبرت أن الانتقادات "يروج لها تنظيم الإخوان وتقودها من خارج مصر بعض الصحف والمجلات الغربية المدفوعة لتحقيق مصالح بعينها".

وتكرر الأمر نفسه مرات عديدة، إذ أن التقارير التي كانت ترصد الأوضاع الاقتصادية المتردية من جانب وكالة بلومبرغ ورويترز حتى العام 2017، جرى التعامل معها على أنها مؤامرة تستهدف خدمة تنظيم الإخوان وجماعات الإسلام السياسي التي نشطت عملياتها الإرهابية في ذلك الحين.

وعندما تغيرت نظرة هذه المؤسسات للاقتصاد المصري في العام 2019 تحديدا، أصدرت الحكومة المصرية تقريرا رسميا للتأكيد على نجاحاتها استشهدت فيه بالأرقام التي نشرتها وكالات وصحف غربية.

وأوضح المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري في تقرير نشره مؤخرا أن نظرة بلومبيرغ للاقتصاد تغيرت من السلبي إلى الإيجابي، وأبرز تصنيف الوكالة الأميركية لمصر ضمن أسرع 10 اقتصادات نموا في العالم خلال عام 2020، وأنها سجلت ثاني أعلى معدل نمو اقتصادي في العالم بنسبة 3.6 في المئة.

ويقع الإعلام المحلي في أزمة الانتقائية التي لم يعالجها بصورة تخدم توجهاته، لأن الحرب الدبلوماسية التي خاضتها مصر مع الدول التي رفضت الاعتراف بثورة الثلاثين من يونيو 2013 دفعت إلى توجيه الأدوات الإعلامية التي تمتلكها للتعامل مع الحصار الغربي ولم تفصل بين ما هو سياسي وبين ما هو مهني، وجرى التعاطي مع كافة المضامين التي وجهت انتقادات، بالحق أو الباطل، على أنها جاءت في إطار الحرب السياسية.

وواجهت الكثير من الصحف والقنوات الفضائية مشكلات عدة حينما اختلفت النبرة بعد النجاحات الاقتصادية التي اعترفت بها مؤسسات دولية أخيرا وكان لزاماً على الإعلام الغربي أن يشير إليها باعتبارها نموذجا إيجابيا وسط أزمات اقتصادية ومعيشية تعرضت لها معظم البلدان النامية، لأنه دحض خطابه السابق الذي حصر الانتقادات في زاوية سياسية دون أن يناقش المحتوى المنشور عن مصر في سياق مهني.

ويبدو الإعلام المصري متحفزا على نحو أكبر في التعامل مع القضايا التي تظهر كأداة للضغط على الحكومة، مثل قضايا حقوق الإنسان وتأخذ حيزاً واسعًا من النقاش في دوائر حقوقية غربية عديدة، لأن توجهاتها حيال الملف الحقوقي المصري تاريخيا قاتمة وتدعو إلى القلق، وجزء كبير ينطلق من هذه الخبرة السلبية بعيدا عن أي حسابات.

وحظي التقرير الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا ووجهت فيه اتهامات "باعتداءات جنسية مارسها مسؤولون ضد نساء مصريات" بجدل واسع في وسائل الإعلام، ورفضت وزارة الداخلية المصرية في بيان لها ما جاء في التقرير واعتبرت أن "اتهامات الانتهاكات الجسدية المنظمة ضد المعتقلات غير صحيحة".

وتأتي الأزمة من أن الرد الإعلامي من قبل الوزارة نفى الاتهامات دون تقديم ما يثبت كذب الشهادات التي تحدثت في التقرير الذي نشرته الصحيفة الأميركية، ولم يؤكد ما إذا كانت هناك تحقيقات جرت بشأن هذه الشهادات من عدمها، وهو ما يحيل إلى مشكلة أخرى ترتبط بعدم وجود مهارات لدى المكاتب والهيئات الإعلامية الموجودة في جهات حكومية للتعامل بحرفية مع ما يقال إنه يندرج ضمن "مزاعم صحافية".

المعضلة الكبرى تكمن في أن وسائل الإعلام العربية تتعامل مع الانتقادات الموجهة إلى الحكومات باجتزاء، فيجري نشر جزئية قصيرة من تقرير كامل للتأكيد على كذب ادعاءات الصحف الغربية

وأشار رئيس تحرير صحيفة "فيتو" (خاصة) عصام كامل إلى أن الأسهل دائما بالنسبة إلى وسائل الإعلام الحديث عن المؤامرة والرؤية الأحادية، وهذا ليس معناه أن كل ما نتلقاه من وسائل إعلام غربية يخضع لمعايير مهنية شفافة، لأن الحياد الكامل أمر غير منطقي، لكن الإعلام المحلي لا يجيد التعامل مع حالة النضج التي وصلت إليها الصحف الغربية بسبب أزمات مهنية قادت إلى ضعف أداء الإعلام بوجه عام.

وأضاف في تصريحات لـ"العرب" أن "الإعلام المصري لا يستغل القواعد المهنية الحاكمة للإعلام الغربي في الرد على ما يثار ضد الدولة، إذ أن الصحف العالمية لا يمكنها تجاهل أي رد يصل إليها، باعتبار أن ذلك حق أخلاقي وإنساني وقانوني، وغالبا ما تكون الردود الصادرة عن هيئات رسمية ركيكة وفضفاضة ولا توازي احترافية المحتويات التي تنتقد الأوضاع في مصر".

ولفت إلى أن المعضلة الكبرى تكمن في أن وسائل الإعلام العربية تتعامل مع الانتقادات الموجهة إلى الحكومات باجتزاء، فيجري نشر جزئية قصيرة من تقرير كامل للتأكيد على كذب ادعاءات الصحف الغربية، في حين أن هذا الاجتزاء في سياقه الكلي قد يكون مقبولا، وعادة لا تنشر وسائل الإعلام العربية المادة الخام المنشورة في الإعلام الغربي بأكملها، ما يعد في حد ذاته تشويها للرسالة الإعلامية.

ويذهب خبراء إعلام للتأكيد على أن القائم بالاتصال العربي حينما ينشر رسالة مجتزأة يجعل من نفسه وصيا على المجتمع، لأنه يقدم بعضه ويلغي البعض الآخر، كما أن هذه الرسالة في النهاية تخلق حالة من الكراهية والرفض بلا مبرر منطقي، بينما الرد عليها بالحجج والبراهين يفيد من جهة إيصال وجهة النظر المحلية إلى الرأي العام الدولي.

ولا ينفي الخبراء أن بعض وسائل الإعلام الغربية تكون محملة بتوجهات سياسية غير بريئة، وهو ما يستدعي الرد عليها إعلاميا وليس مهاجمتها والتعامل معها على أنها أكاذيب ومؤامرات، فهذه اللهجة غير مقنعة للجمهور الغربي وتؤدي إلى مردودات سلبية.

18