الإعلام الفاسد والإعلام المفسد

الأربعاء 2016/02/17

تعريف الفساد الذي يتبناه البنك الدولي “استغلال أو إساءة استخدام الوظيفة العامة من أجل تحقيق مصلحة خاصة ووضعها في المرتبة الأولى”، والفساد ظاهرة عالمية لا يستثنى منها أي نظام سياسي مع فوارق في نسب الفساد وانتشاره وتأثيره على عملية التنمية في البلاد.

وفي البلدان المتقدمة يمكن أن نجد حالات الفساد في شركات أو عند موظفين كبار سرعان ما يتم فضحهم ومحاسبتهم، أما في البلدان النامية فإن الفساد قد يتوطن في بنية النظام ومؤسسات الدولة، ويظهر فيها على شكلين الأول فساد كبير أبطاله موظفون كبار ورجال المال والأعمال وسياسيون في قمة الهرم، مجاله الحيوي المشروعات الكبرى والاستثمارية.

والثاني فساد صغير يعمل من خلال جيوش موظفي مؤسسات الدولة ومجالهم الحيوي التسيير اليومي للمعاملات، مقابل رشوة يسمونها “إكرامية” وهذا النوع من الفساد يجد بيئة حاضنة نموذجية في ظل الترهل البيروقراطي.

ومما لا خلاف عليه هو أن أهم أدوات مكافحة الفساد هما القضاء النزيه والإعلام الحر. لكن حين يصل الفساد إلى سلطة القضاء والإعلام يصبح الحديث عن مكافحة الفساد واهيا، بل وقد يصبح الإعلام محرضا وداعما للفساد فيبرز الفساد الإعلامي.

والفساد الإعلامي على نوعين: أولهما إعلام مُفسد يسعى للربح عبر استغلال الأمراض الاجتماعية في المجتمع فيعمل على تكريسها وترويج قيم أخلاقية وثقافية متدنية مخلة بالذوق العام، وترسيخ ثقافة الفساد والاستهلاك، واللامبالاة والانتهازية، ومثالها قنوات الأغاني الهابطة؛ من حيث الصورة والكلمة واللحن، كذلك معظم قنوات خدمة “التشات” وبرامج المسابقات في عملية استغلال مفضوحة للجمهور من خلال شركات الاتصال، التي تضاعف أجور مكالمات المشاركين الذين يحلمون بالربح في تلك المسابقات الوهمية غالبا.

أما الشكل الثاني فهو: إعلام فاسد يقوم بتلميع الأنظمة والتعتيم على تجاوزاتها الاقتصادية والإنسانية، وفسادها كأنظمة حاكمة، ويوظف هذا الإعلام قدراته للتضليل وترويج منجزات وهمية للحكومة، وهناك مؤسسات إعلامية فاسدة تؤازر بعض المفسدين وترتبط برموز الفساد الكبيرة، وتعتاش على أموالهم، بحجة التمويل الذي لا بد منه للمؤسسات، وبعضها تمارس الفساد بأسلوب الابتزاز بالتهديد بنشر ما يسيء للأشخاص أو للشركات إذا لم يدفع الشخص المقصود مبالغ يتم التفاوض عليها.

إن تعرض الإعلام للفساد والمفسدين يتفاوت من بلد عربي إلى آخر حسب حجم الحرية المتاحة في مراقبة المؤسسات الرسمية، وقد تحجم وسائل الإعلام عن نشر تفاصيل قصص الفساد بالرغم من تسريب فضائحها إلى الرأي العام، وفي بلدان عديدة يبدو صعباً للغاية فضح قضايا الفساد وتسمية الفاسدين بأسمائهم، وإن نشرت وسائل الإعلام عن الفساد فهي عادة كتابات تتناول القضايا بخطوطها العريضة ونادراً ما تتناولها بالتفصيل، لاعتبارات كثيرة أهمها غياب قانون يميز بين النقد والتشهير، بين النقد البناء والنقد الهدام، وإن كتب أحدهم عن الأمور بأسمائها وحقائقها وصفوه بأنه صحافي جريء أو شجاع، ولا نسمع في البلدان الديمقراطية عن صحافي جريء، وإنما عن صحفي مهني أو محترف أو تنويري!

ويبدو من الصعب صمود أي إعلامي أمام مغريات الفساد في تقاضي عمولات ورشاوى من الوزارات والهيئات والأشخاص، بل إن تقاضي العمولات يكاد لن يكون جزءاً من تقاليد العمل الإعلامي، حيث يتقاضى الصحافي “مكافأة” مالية “مصروف جيب” لا تسمى رشوة وإنما هدية أو “فلوس العشاء”، تُبرر بأن راتب الصحافي لا يكفيه، والرشوة في الإعلام لا تقتصر على المندوبين والمحررين، الذين يشكلون قاعدة الفساد الأصغر، وإنما قد تصل إلى الإدارات العليا أو بين صفوف المدراء والذي لا يرتشي ويقاوم إغواء المال والإغراء الجنسي يتعرض للهجوم، وقد لا يصمد كثيراً في منصبه إذا لم يمتلك عوامل النفوذ التي تخول له البقاء، فيما الإعلامي النظيف يُهمش بسهولة إذا لم يندمج في دائرة الفساد.

الحديث عن الفساد في الإعلام يطول جداً، وهو في مجتمعاتنا العربية جزء من ظاهرة الفساد عموماً. وبالتالي، لا يمكننا الحد من انتشاره ـ ولا نقول القضاء عليه ـ إلا بمكافحة ثقافة الفساد المستشرية والتي تعطي للمال القيمة العليا، بغض النظر عن مصدره ووسائل الحصول عليه. كما تتطلب مكافحته مناخا سياسيا تعدديا حرا يترافق مع قضاء نزيه يحرص على تنفيذ قانون عادل، يحمي الإعلامي الحكومي والمستقل معا.

18