الإعلام اللبناني المغتصِب

الخميس 2016/07/14

كان حادث اغتصاب فتاة في طرابلس واتهام ثلاثة شباب بارتكابه حدثا مشتهى للإعلام اللبناني، الذي بذل جهودا كبيرة من أجل تحويل هذا الحدث من فعل عابر وإخباري إلى تاريخ يراد منحه صفة الديمومة والخلود.

تسابقت التلفزيونات ووسائل الإعلام على عرض التفاصيل الكاملة للجريمة، والتشهير بالضحايا والمتهمين، فبات الفعل آيلا لتكرار لا نهاية له. بدا أن هذا التكرار إنما يعكس هدف الإعلام ورغبة المشاهدين في آن واحد.

الإعلام يتبع خارطة منطق كان قد أسس له في التعاطي مع مثل هذه الحوادث، وقد بات جل المشاهدين المفترضين جمهورا يطالب بهذا النوع ويهتم به، ويرى في الإثارة المتلفزة وفي القتل والاغتصاب الذي يعرض بصيغة البث المباشر نوعا متقدما ومتطورا من الإعلام.

هكذا تجتمع الإهدارات وتتلاقى، فنكون أمام إهدار صريح ومقصود لمهمة الإعلام، ولوظيفة التلقي وذوق الجماهير، ولكن لا يمكن أن نفترض أن الإعلام وحده هو المسؤول عن صناعة جماهيره، بل يمكن رصد تبادل بين مثل هذا الإعلام وبين الجمهور حيث أن كلا منهما يغذي الآخر فلا يمكن للإعلام الاغتصابي أن ينجح ما لم توجد جماهير اغتصابية.

يلقي هذا الوضع العام بظلال سوداء على الحياة العامة في البلاد التي يفترض أن يشكل الإعلام مرآة لها، فما هي الصورة التي يمكن أن ينقلها إعلام يتماهى مع فعل الاغتصاب ويؤسس له، وينشر معناه وروحه عن البلاد سوى أنها بلاد آيلة للاغتصاب وجاهزة لإنتاجه وتلقيه؟

يمكن دون مبالغة تفسير الكثير من الأمور التي تبدو غامضة في الشأن الاجتماعي والسياسي في البلد من خلال الإضاءة على منطق الإعلام الذي أبرزته بوضوح هذه الحادثة المأساوية.

فعل الاغتصاب لم يخضع للقراءة والتحليل، بل كان التركيز على الفعل نفسه وعلى عرض تفاصيله بشكل يعزله عن ضحاياه وعن منفذيه، وعن البيئة العامة والظروف التي جعلته ممكنا.

بدا الأمر بالنسبة إلى الإعلام وكأن هناك فعل اغتصاب سقط من السماء، وأنه لا يمت بصلة إلى الواقع اليومي للحياة في لبنان بل يتناقض معه، وسبب الاستهجان والاستغراب إنما يعود إلى هذه النقطة بالذات. كان هناك إصرار لافت على إدانة الاغتصاب والمغتصبين، وتبرئة المجتمع والسياسة.

تم ترويج منطق يعنى باستعمال فعل الاغتصاب في تجميل الحال اللبناني المائل والمنتج لاغتصابات شتى لا تعد ولا تحصى وتشمل كل جوانب الحياة. بدا للحظة وكأننا اكتشفنا الخلل وقبضنا على كل المجرمين دفعة واحدة، وتاليا صار من المستحيل النظر إلى مأساة الفتاة ومأساة المتهمين بالاغتصاب وعائلاتهم والبيئة المرتبطة بهم، بل وضع كل هذا السياق خارج التداول، وتم التعامل مع كل هذه المآسي وكأنها نوع خاص من الصفات الملحقة بهؤلاء الضحايا، والتي تكتسب صفة القدر والأصل، بحيث لا يمكن تعديلها ولا تفسيرها بل فقط عرضها.

لا صفات للفتاة المغتصبة ولكنها تملك اسما عرض علنا بإجرام ووقاحة فبات اسمها المجهول اسم علم للاغتصاب. عرض اسمها وأسماء المتهمين في إطار تحويلهم إلى أسماء حركية لمفهوم الاغتصاب، ولكي يصبح من المستحيل فصل هذا الوسم عنهم وعن بيئتهم. حفر الإعلام اللبناني في الوعي العام أسماء لأشخاص وحولها إلى صفات ربما تكون قادرة على وصفه أكثر من قدرتها على وصف أي فعلة أو حدث.

كاتب لبناني

18