الإعلام الليبي في مفترق طرق سنوات الحرب وبوادر السلام

توحيد الخطاب الإعلامي وتأطيره قانونيا من أبرز الخطوات الأساسية لبناء دولة المؤسسات.
الاثنين 2021/03/29
تأميم الأجواء بإعلام يوحد ولا يفرق

تبرز مشكلة توحيد الإعلام في ليبيا ونبذ خطاب الكراهية والعنف، الذي ساد طيلة سنوات الصراع السياسي والعسكري، كتحد إضافي أمام السلطات الجديدة لتجسيد رؤية الليبيين لدولتهم الجديدة. ورغم ظهور بوادر جدية من أجل تحقيق السلام الشامل على كافة الأصعدة، بما فيها تنظيم هذا القطاع، إلا أن العراقيل لا تزال قائمة ما لم تكن هناك نوايا حقيقية من كافة الجهات لوضع أوزار الحرب الإعلامية.

تونس - لم تكن دعوة وزير الداخلية الجديد خالد مازن كافة أطياف الشعب إلى “مساندة الوزارة في أداء مهامها على الوجه الأمثل بتجاوز صفحة الماضي أولا ونبذ خطاب الكراهية وتحييده من كل المنابر الإعلامية” سوى إشارة تصدر عن قيادي أمني قادر على تحديد أولويات مرحلة إعادة بناء الدولة ورتق النسيج المجتمعي المترهل بفعل الصراعات.

كما أنها إشارة تخفي الكثير من الدلالات حول ما يمثله الخطاب الإعلامي السائد منذ سنوات من خطر حقيقي على خارطة الطريق المتعلقة بالحل السياسي وتجاوز الأزمة، وتدعو من وراء بروتوكولات المسؤولية السياسية والإدارية إلى فض الاشتباكات الإعلامية والانطلاق نحو توحيد الخطاب في اتجاه لملمة الجراح وتجاوز مخلفات الماضي الأليم.

مصالحة إعلامية شاملة

محمد بعيو: نريد توجيه الإعلام نحو مسار المصالحة والتنمية والاستقرار
محمد بعيو: نريد توجيه الإعلام نحو مسار المصالحة والتنمية والاستقرار

يجمع أغلب الفاعلين السياسيين في ليبيا على ضرورة توحيد الخطاب الإعلامي كأحد أهم شروط تحقيق المصالحة الوطنية وإعادة بناء جسور الثقة بين جميع الأطراف. كما هو الحال مع مصرف ليبيا المركزي الذي اتفق الفرقاء قبل أسابيع على توحيد نشاطه بعد أن انقسم إلى مؤسستين ماليتين واحدة في الشرق والأخرى في الغرب.

ويعتبر هؤلاء أن الأبواق الإعلامية غير المندمجة في برنامج المصالحة، والتي تنطلق من مرجعيات سياسية وأيديولوجية وحزبية في الإصرار على بث روح الكراهية والحقد سواء بين جهات البلاد أو فئات المجتمع أو مؤسسات الدولة، يمكن أن تؤثر سلبا على خارطة الطريق السياسية التي انطلق تنفيذ بنودها منذ فبراير الماضي بانتخاب السلطات الجديدة والتوافق على جدول زمني للخطوات المحددة وصولا إلى انتخابات الرابع والعشرين من ديسمبر القادم.

وتبدو هناك بعض المؤشرات الإيجابية على ذلك، ففي الـ21 من مارس الجاري تم الإعلان عن قرار حكومي بإعادة توحيد وكالتي الأنباء اللتين كانتا تعملان تحت سلطة الحكومتين السابقتين المتنافستين في طرابلس وبنغازي امتدادا لحالة الانقسام السياسي الذي عرفته ليبيا منذ صيف 2014.

ويشكل القرار خطوة أولى في طريق “الألف ميل” نحو توحيد الخطاب الإعلامي بعد أن كان أحد الأسباب الأساسية للدمار والخراب والفوضى والاقتتال الأهلي بين الليبيين خلال العشرية الماضية، ومن الأدوات التي تم الاعتماد عليها في معركة إنهاك الدولة ونشر ثقافة الكراهية والانقسام بدل ثقافة المحبة والسلام ورص الصفوف.

ونصّ قرار رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة لحكومة محمد بعيو على توحيد ودمج وكالتي الأنباء بالمنطقتين الشرقية والغربية في كيان واحد، كما كان عليه الحال قبل الانقسام السياسي. وقد أشاد “بالروح الوطنية التي تجسدت لدى إدارتي الوكالة ومسؤوليها والعاملين فيها، والتي تأتي انعكاسًا للمناخ الإيجابي السائد الآن بعد تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة”.

وبينما أشارت المادة الثانية من القرار إلى تحمل المؤسسة المسؤولية عن تسوية كافة الالتزامات القانونية والإدارية والمالية المترتبة على الوكالة أثناء فترة الانقسام شددت المادة الثالثة على إدارة الوكالة من خلال لجنة إدارية مؤقتة إلى حين تكليف مجلس إدارة دائم.

وكان بعيو قد أطلق مبادرة هادفة إلى إنجاز وتحقيق المصالحة الإعلامية الوطنية الشاملة على أساس أن ليبيا فوق وقبل كل الانتماءات والولاءات والأجندات، وغايتها إعلاء شأن البلاد وقيمتها ومكانتها ووسيلتها صدق النية وصلاح العمل.

عقبات توحيد الخطاب

Thumbnail

يرى المهتمون بالشأن الليبي أن أخطر المنابر على سيادة الدولة ووحدة المجتمع وخارطة الطريق المتعلقة بالحل السياسي هي تلك المرتبطة بالميليشيات وبقوى الإسلام السياسي، وخاصة تلك التي تبث من تركيا وتعتمد على تمويلات أجنبية، وفق التقسيم المحاوري، والتي تسعى لتبرير الإرهاب وتبرئة مرتكبيه وشيطنة محاربيه.

وليس ذلك فحسب، بل تسعى تلك المنابر الإعلامية إلى تصنيف القوى الداخلية والمواقف والرؤى وفق نظرة أحادية للدين، وإلى بث الفتاوى الشاذة لخدمة أجندات بعينها تتجاوز في الكثير من الأحيان الوضع الداخلي الليبي إلى حسابات جيوسياسية في المنطقة ككل.

ففي حين لم تتضمن حكومة عبدالحميد الدبيبة وزارة للإعلام تشرف على توحيد المؤسسات الناشطة في غرب وشرق البلاد، وفي الخارج أيضا، لكن بعيو أكد أن المؤسسة بدأت تنفيذ خطة إعلامية موحدة هدفها العمل على المصالحة الوطنية والسلام.

وقال “لقد بدأنا اتصالات مع مختلف وسائل الإعلام الليبية لتوحيد الخطاب الإعلامي الليبي العام والخاص موقفا وخطابا وتوجيه الإعلام نحو مسار السلام والمصالحة والوحدة والتنمية والاستقرار”.

تفكيك الولاءات الأيديولوجية والحزبية والجهوية والمناطقية والثقافية التحدي الأهم قبل بناء إعلام متزن

كما أصدرت المؤسسة قرارا بحظر استخدام اسم “ليبيا” كاسم رسمي لكافة الجهات والشركات الإعلامية الخاصة غير المملوكة للدولة إلاّ بعد الحصول منها على موافقة كتابية.

ونص القرار على إلزام عموم القنوات التلفزيونية والإذاعية التي تحتوي اسم “ليبيا” أو “الليبية” بإعادة التسمية خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من القرار، وإلزام تلك التي تبث من ليبيا أو تتخذ مقرات لها في أي مدينة ليبية بتقديم مستنداتها القانونية والحصول على الموافقة على البث والعمل من المؤسسة الليبية للإعلام وفق الضوابط والرسوم المحددة.

وتوجد العشرات من المحطات الإذاعية والتلفزيونية التي تبث من داخل ليبيا، وخاصة من طرابلس وبنغازي ومصراتة، مع اختلاف تبعياتها سواء لحكومة الوفاق أو للحكومة المؤقتة السابقتين أو للمؤسسة العسكرية أو لتيار الإسلام السياسي أو لمستثمرين من القطاع الخاص، إضافة إلى محطات تبث من خارج، وخاصة من تركيا والأردن ومصر وتونس وبريطانيا، ومنها قنوات تابعة للنظام السابق.

وتعددت الولاءات والتبعيات الأيديولوجية والحزبية والجهوية والمناطقية والثقافية لتلك القنوات، لكن أخطرها على الإطلاق هي أبواق الإسلام السياسي التي عرفت بنشرها خطاب الكراهية وتقسيم الليبيين واعتماد الفتاوى الغريبة والشاذة لتجييش الأنصار ضد قيم الديمقراطية والمدنية ومبدأ الاختلاف.

ويؤكد مراقبون أن جانبا من وسائل الإعلام هذه مرتبط بالميليشيات وانتشار السلاح وبظاهرة الفساد المالي والإداري، ما يزيد من صعوبة غلقها أو تغيير خطابها، طالما أنه لم يتم حل الجماعات المسلحة المهيمنة على غرب البلاد.

نبذ الكراهية والعنف

Thumbnail

كانت المدعية العامة لمحكمة الجنايات الدولية فاتو بنسودا قد أكدت في مايو العام الماضي، ومن خلال تقرير عرضته على مجلس الأمن، أن مكتبها لاحظ ارتفاعا في خطاب الكراهية في ليبيا المنتشر في الإعلام التقليدي أو على وسائل التواصل الاجتماعي الموجه ضد أشخاص بعينهم أو ضد جماعات معينة.

وقالت حينها إن “كل من يحث على ارتكاب جرائم تدخل في اختصاص المحكمة، بالتحريض العلني أو بغيره من الوسائل عرضة للمقاضاة أمام المحكمة، وأن المحكمة مصممة على التحقيق في الجرائم ومقاضاة المتهمين بارتكابها عند استيفاء الشروط اللازمة، على النحو المحدد في نظام روما الأساسي”.

كما حملت القادة وأفراد المجتمع البارزين في ليبيا مسؤولية خاصة في القيادة بالقدوة والامتناع عن الكلام الذي يحض على الكراهية. وأكدت بنسودا أن كل من يحرض على الخوف والكراهية والانقسام في المجتمع لا يلحق الأذى بالأشخاص المستهدفين فقط بل يلحق الضرر بالمجتمع ككل، ويبعث على القلق ويولّد الكراهية والخوف في المجتمع ويعمّق الانشقاق، وينثر بذور الجريمة ضد المجموعات المستهدفة ويخلق ظروفا مواتية لانتهاكات واسعة.

ودعت بنسودا المنظمة الليبية للإعلام المستقل والسلطات الى إصدار أوامر للقبض على مرتكبي جرائم خطاب الكراهية المنتشرين عبر وسائل الإعلام التقليدي أو على وسائل التواصل الاجتماعي سواء داخل ليبيا أو خارجها، حيث تحولت هذه الجرائم إلى ظاهرة تهدد المجتمع الليبي.

7