الإعلام الليبي يترنح بين فقدان المهنية واستهداف الجماعات المسلحة

الاثنين 2015/03/02
الصحفيون العاملون في ليبيا لديهم خياران: الهرب من ليبيا أو اعتزال العمل

طرابلس - ويلات الحروب والصراع تلقي بظلالها على الإعلام الذي يدخل اللعبة الدامية، ويتحول في ليبيا إلى طرف في النزاع، مثل بعض القنوات الفضائية التي انحازت لأحد الأطراف وعملت على تغذية الصراع الدامي، في غياب للمهنية والمصداقية الإعلامية.

حذّر عمر القويري وزير الإعلام في الحكومة الليبية، عددا من مالكي قنوات فضائية ليبية من الملاحقة القضائية.

وقال إن الهيئة جهزت مذكرات ستقدمها لوزارة العدل ضد قنوات معينة وضد مالكيها والإعلاميين الذين يعملون فيها.

واعتبر الوزير الليبي أن مالكي تلك القنوات والإعلاميين الذين يعملون بها سوف يلاحقون، ومن الممكن أن تصدر في حقهم مذكرات أو بطاقات حمراء من الإنتربول، ومنعهم من السفر وتجميد حساباتهم والقبض عليهم وذلك بتهمة التحريض ضد الليبيين.

هذه التحذيرات جاءت حسب الملاحظين على خلفية التجاوزات المهنية التي ترتكبها هذه القنوات الفضائية بشكل متزايد، والتي تؤثر بشكل مباشر على الأحداث الدامية على الأرض. وتكمن المشكلة الأساسية في مدى التزام وسائل الإعلام الليبية بأخلاق المهنة، حيث لا توجد في معظم هذه الوسائل أي مدونات للسلوك المهني الإعلامي، والتي يجب أن يلتزم بها الإعلامي خلال أدائه لمهنته، بالإضافة إلى عدم دراية الكثير من الإعلاميين ووعيهم بأخلاقيات مهنتهم أو حتى بالجرائم التي ترتكب عبر وسائل الإعلام.

طارق الهوني: يمكننا أن نرى في المستقبل إعلاميين ليبيين يقادون إلى المحكمة

ويقول طارق الهوني المدير التنفيذي لقناة ليبيا الوطنية “يمكننا أن نرى في المستقبل إعلاميين ليبيين أو مالكي مؤسسات إعلامية ليبية يقادون إلى محكمة الجنايات الدولية بسهولة لو توفرت شروط المثول أمام المحكمة الدولية، من خلال طلب عبر الأمم المتحدة ومنظوماتها، من دولة عضو بالمحكمة، أو من مجموعة أو فئة أو شخص متضرر مباشرة من تلك الجرائم”. بينما يقول الهادي القرقوطي رئيس تحرير صحيفة “البلاد الآن” المحلية إنه “لا يعتقد بأننا سنرى في المستقبل صحفيين ليبين يمتثلون لمحكمة دولية، لأن القانون الآن غائب ومعظم الذين يعملون بالإعلام ليسوا إعلاميين بل هم منفذون لأجندات خاصة”.

في ليبيا الآن لا توجد أي هيئات ولا تشريعات منظمة للإعلام، بل يوجد قانون للعقوبات مليء بالمواد التي تجرم أشكالا عديدة من التعبير عن الرأي، منها الإهانة و التشهير والقذف والافتراء والتحريض وإثارة الحرب الأهلية في البلاد، أو تفتيت الوحدة الوطنية أو السعي للفرقة بين مواطني البلد، وهي جرائم تُرتكب عبر أي وسيلة من وسائل الإعلام حاليا تقليدية كانت أم إلكترونية.

ويزداد وضع الصحفيين العاملين في ليبيا سوءا بسبب الأوضاع السياسية المعقدة في البلاد والصراعات المسلحة. والأرقام التي تنشرها المنظمات الدولية عن حالات قتل الصحفيين وخطفهم وتعذيبهم تدعو للقلق.

ويرى القويري أنه بالنسبة لوضع الإعلام في ليبيا فإن حاله من حال البلد، ويضيف، “لدينا أكثر من 100 صحفي بين مقتول ومخطوف ومدمر منزله. ومنذ فترة قريبة استقبلت ممثلة إحدى المنظمات الدولية وأعربت لي عن صدمتها من عدم وجود أي من الصحفيين الذين تعرفهم في طرابلس .. لقد هربوا جميعهم. وهذا مؤشر خطير جدا على وضع حرية الصحافة والإعلام في ليبيا خاصة في الغرب الذي تسيطر عليه الميليشيات. وهذا الوضع ليس حكرا على الإعلاميين، فالجماعات الإرهابية تنال من الجميع بمن فيهم رجال الأمن وحراس مؤسسات الدولة”.

ويذكر تقرير منظمة “مراسلون بلاد حدود” أن التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2014، وضع ليبيا في المرتبة 137 من 180 دولة شملها التقرير السنوي.

عمر القويري: لدينا أكثر من 100 صحفي بين مقتول ومخطوف ومدمر منزله

وعزا التقرير سبب تراجع ليبيا إلى المرتبة 137 عالميا، إلى أن الميليشيات هي مصدر التهديد الرئيس لأمن الصحفيين، وهي تعمل على نشر الفوضى في ليبيا الجديدة.

وقال إن العلاقة السلبية تتضح بين حرية الإعلام والصراعات، ففي سياق يطغى عليه عدم الاستقرار، تصبح وسائل الإعلام هدفا للجماعات أو الأفراد الذين يحاولون فرض رقابة على كل من يسعى إلى نشر المعلومة، وذلك في انتهاك فاضح للضمانات التي تقدمها المواثيق الدولية، وخاصة المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقيات جنيف لعام 1949، والبروتوكوليْن الإضافييْن الأول والثاني لعام 1977. ويجد الصحفيون العاملون في ليبيا أنفسهم أمام خيار الهرب من ليبيا أو اعتزال العمل الصحفي.

ووثقت المنظمات الدولية أكثر من 91 حالة لصحفيين تعرضوا لتهديدات في الفترة بين منتصف 2012 حتى نوفمبر 2014، سجل منها ثلاثون حالة اختطاف أو اعتقال تعسفي وثماني حالات قتل.

وبالإضافة إلى ما يعانيه الصحفيون من طرف الجماعات المسلحة، عملت المحاكم الليبية على ملاحقة الصحفيين بتهمة التشهير بالمسؤولين الحكوميين وغير ذلك من التهم المنتهكة لحرية التعبير.

وأضافت المنظمة أن “إخفاق الحكومات المتعاقبة والسلطات المؤقتة في حماية الصحفيين أنهك الكثير من حرية وسائل الإعلام المحدودة، التي كانت موجودة في أعقاب انتفاضة 2011”

ويرى صحفيون محليون أن وضع الصحفيين في ليبيا سيئ للغاية سواء بالنسبة لليبيين منهم أو للأجانب، فمعظمهم انتقل إلى تونس ومصر والأردن وتركيا بعدما أصبحت حياتهم وحياة ذويهم مهددة في أي لحظة.

ويضيفون أن التيارات المتصارعة تتفق في شيء واحد وهو أن الصحفي يشكل عدوا لها عندما لا يخدم مصالحها.

فهي لا تؤمن بشيء اسمه حرية التعبير أو بواجب الصحفي المهني. ولا يحظى بالحماية هناك سوى من يؤيد طرفا من الأطراف المتصارعة. كما أن الأمر لا يقتصر على الصحفيين، فحتى نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي يتعرضون للقمع.

ومازال الغموض يكتنف مصير الصحفيين التونسيين نذير القطاري وسفيان شورابي منذ اختطافهما في سبتمبر الماضي، على الرغم من إعلان وزير الإعلام الليبي قبل أيام أن الصحفيين مازالا على قيد الحياة، لكن دون ذكر تفاصيل عن مكان وجودهما.

18