الإعلام المؤيد للإسلاميين في ليبيا يلعب ورقة المصطلحات

"الجيش الليبي" مصطلح جديد للميليشيات والمرتزقة السوريين في طرابلس.
الأربعاء 2020/05/20
حين تتحول الميليشيات إلى جيش نظامي

ينتهج الإسلاميون في ليبيا سياسة اتصالية جديدة تلعب على ورقة المصطلحات سعيا لقلب المعركة المحتدمة مع الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر. وسرّعت الأطراف الداعمة لحكومة فايز السراج من خطواتها وذلك عبر تحويل الجيش الوطني الليبي إعلاميا إلى ميليشيا، في المقابل باتت تروج مغالطات بإلصاق عبارة “جيش وطني” بميليشيات طرابلس ومصراتة والمرتزقة السوريين الذين نقلتهم أنقرة إلى ليبيا.

 تونس - يدرك الإسلاميون وحلفاؤهم جيدا أهمية المعركة الإعلامية في الحرب المستعرة حاليا في ليبيا لذلك لا يبدو أن الفبركة والتضخيم أساليب كافية لوحدها في التأثير على الرأي العام المحلي والدولي حيث انتهجت مؤخرا سياسة جديدة تقوم على التلاعب بالمصطلحات حيث يتحول الجيش الليبي إلى ميليشيا وقائده المشير خليفة حفتر إلى الانقلابي وميليشيات طرابلس ومصراتة بالإضافة إلى المرتزقة السوريين إلى “جيش وطني”.

وبدأت مجموعة من وسائل الإعلام التابعة لقطر وتركيا تغيير المصطلح الإعلامي الذي كانت تستخدمه لسنوات لوصف ميليشيات حكومة الوفاق فبعد أن كانت تطلق عليها صفة “قوات حكومة الوفاق” صار اسمها الجديد “الجيش الوطني الليبي” في خطوة أثارت الكثير من السخرية والاستهزاء.

فخلافا لأن الإسلاميين يعتمدون في الحرب على المرتزقة السوريين ومتطوعين من شباب المدن المتحالفة معهم خاصة مدينة مصراتة وهو مبرر كاف لإطلاق صفة ميليشيات عليها فإن ما تظهره وسائل الإعلام يؤكد عدم احترام المقاتلين لأبسط ما يجب أن يلتزم به الجندي النظامي وهو مظهره الخارجي.

كثيرا ما شكّل مظهر ميليشيات حكومة الوفاق مادة دسمة لرواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين يطلقون عليهم صفة “جيش الشباشب والكانتيرات” في إشارة لعدم التزامهم بارتداء الأحذية العسكرية واكتفائهم بالظهور بقمصان داخلية، رغم ما تخصصه لهم الحكومات من مبالغ طائلة في اقتناء البدلات العسكرية.

قلب الحقائق

الميليشيات تستخدم صفة "الجيش" لمنحها مشروعية الدفاع عن الوطن
الميليشيات تستخدم صفة "الجيش" لمنحها مشروعية الدفاع عن الوطن

ظل يطلق على تلك الميليشيات طيلة أكثر من سنة على معركة السيطرة على طرابلس قوات حكومة الوفاق أو “قوات عملية بركان الغضب”.

يستفز استخدام وسائل الإعلام لمصطلح الجيش الليبي وهي صفته الرسمية منذ 2014 بتزكية من مجلس النواب المعترف به دوليا، الإسلاميين لذلك عملوا طيلة تلك السنوات على وصفه بـ"ميليشيات حفتر القبلية" لكن الإعلام المحلي والعربي المؤيد لهم كان يشير للجيش بـ « قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر» قبل أن تصبح مؤخرا «ميليشيات الانقلابي خليفة حفتر».

وتتعمد تلك القنوات والمواقع الإعلامية الإشارة إليه بتلك الطريقة لأن استخدام صفة الجيش تمنحه مشروعية للدفاع عن الوطن واستقراره وهو ما يدفع مباشرة لتأييده لأن المقابل بالضرورة هي ميليشيات أو مجموعات إرهابية من غير الوارد أن تحظى بتأييد أو تعاطف من لا مصلحة له معها.

في المقابل يطلق عليه الإعلام الغربي صفة قوات شرق ليبيا مع وضع الجيش الوطني بين ظفرين وهي الصياغة التي يحاول من خلالها الظهور بشكل محايد لكنها تحمل في طياتها انحيازا للإسلاميين خاصة وأن مجلس الأمن اعتمد أكثر من مرة صفة الجيش الليبي في بيانته المتعلقة بالبلد.

لم يجد الإسلاميون من حل للتصدي للحقيقة المؤلمة التي تواجههم المتمثلة في وجود جيش نظامي تأسس على أنقاض ما تبقى من الجيش الذي تفتت بعد تدخل الناتو في 2011 ويخضع لأوامر قيادة موحدة مقابل ميليشيات ولاؤها مشتت بين قيادات إسلامية في مصراتة وطرابلس، سوى استخدام مصطلح “الجيش الوطني الليبي”.

تعتقد الجهات التي أوعزت لوسائل الإعلام بإطلاق مصطلح الجيش على ميليشيات ومرتزقة سوريين أن الأمر كاف لإيهام الرأي العام المحلي والدولي خاصة بأن حكومة الوفاق لديها جيش وليس مجموعة ميليشيات لا تمتلك سلطة التحكم فيها ولا يوحدها شيء حاليا سوى التصدي للجيش الوطني.

وتراهن وسائل الإعلام المؤيدة للإسلاميين سواء العربية منها أو الغربية على أن المتلقي العادي لن يجد متسعا من الوقت وسط انشغالاته الحياتية المتلاحقة ليلاحظ هذا الأسلوب وليتحقق من مدى دقة المصطلحات المستخدمة.

منذ وصول الإسلاميين إلى الحكم في ليبيا في 2011 عملوا على تقوية شوكة الميليشيات التي تشكلت أثناء الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي وإضعاف مؤسستي الجيش والشرطة، في مسعى لا يعكس سوى إصرار على إدامة الفوضى.

الإعلام الغربي أيضا

وصول الإسلاميين للحكم في ليبيا قوّى شوكة الميليشيات
وصول الإسلاميين للحكم في ليبيا قوّى شوكة الميليشيات

في المقابل عملت السلطات التي تم طردها من طرابلس على إثر انقلاب الميليشيات والإسلاميين على نتائج انتخابات 2014، على إعادة بناء الجيش وتمكنت خلال ست سنوات من تخريج العشرات من الدفعات سواء في بنغازي أو في الأردن ومصر ويرفع الجيش شعارا “يد تبني وأخرى تحارب الإرهاب”.

ويكشف تناول الإعلام الغربي وخاصة البريطاني والإيطالي موقف بلدانهم الحقيقي من الأزمة الذي تحاول الحكومات إخفاءه خلف البيانات الدبلوماسية الفضفاضة التي تقتصر غالبا على الدعوة إلى التهدئة ودعم المسار السياسي لإنهاء الأزمة.

عبرت المفردات التي انتقتها محطة “بي.بي.سي” البريطانية الحكومية عن طبيعة النظرة التي تنظر بها بريطانيا إلى الجيش الليبي وقائده المشير حفتر عبر الإشارة إليه في نشرتها الإخبارية بتوصيف “أمير الحرب الليبي”.

وتشير “بي.بي.سي” إلى الجيش بـ”قوات شرق ليبيا” وتستخدم مصطلح “قوات حكومة الوفاق” على ميليشيات الإسلاميين في خطوة تحاول من خلالها الظهور في موقف الحياد.

ويجد البعض تبريرات لاستمرار “بي.بي.سي” في وصف حكومة طرابلس بحكومة الوفاق رغم غياب أي وفاق بشأنها بالسعي للالتزام بما يستخدمه المجتمع الدولي الذي مازال متمسكا بتلك التسمية، لكن عدم التزامها باستخدام المصطلح الذي يطلقه مجلس الأمن والأمم المتحدة وهما “الجيش الليبي” و”القوات العربية الليبية المسلحة” يكشف ازدواجيتها وانحيازها الواضح للإسلاميين.

وبحسب كثيرين يندرج استخدام “بي.بي.سي” وأيضا وكالة “رويترز” للأنباء  لصفة “قوات شرق ليبيا” في سياق توجه يهدف لإبراز أن المعركة في ليبيا هي معركة جهوية بين شرق وغرب وطمس أي أثار تكشف جانبا من الحقيقة وهو أن المعركة أيضا هي بين ليبيين وإسلاميين انقلبوا على الحكم في 2014 وعادوا إليه في إطار اتفاق الصخيرات.

7