الإعلام المصري أمام حيرة مدح ونقد المؤسسات الأمنية

التحقيق مع الإعلامي خيري رمضان الذي أثار قضية تدني رواتب الضباط بتهمة إهانة الشرطة.
الثلاثاء 2018/03/06
صحافيون ينعون الحريات

القاهرة - أثار فتح تحقيق قانوني مع الإعلامي خيري رمضان مقدّم برنامج “مصر النهاردة” بالتلفزيون المصري بتهمة إهانة الشرطة، جدلا واسعا في الوسط الإعلامي، لا سيما أنه جاء بعد أيام قليلة من حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي، أنه لن يسمح تحت أي ظرف بإهانة الجيش والشرطة، وذلك يعتبر “خيانة عظمى تستوجب المساءلة”.

وذكر الإعلامي المعروف بقربه من الحكومة والمدافعين عنها، في برنامجه “مصر النهاردة” على القناة الأولى بالتلفزيون المصري، أن زوجة أحد ضباط الشرطة أرسلت له رسالة تؤكد فيها معاناة زوجات وأسر ضباط الشرطة بسبب ضعف رواتبهم.

يحيى قلاش: لم تعد هناك حصانة ولا ضمانات لإعلامي بعد أن ضاق السقف
يحيى قلاش: لم تعد هناك حصانة ولا ضمانات لإعلامي بعد أن ضاق السقف

ولم يفلح اعتذار رمضان عن تطرّقه للأوضاع المادية للضباط بشكل خاطئ في إنقاذ نفسه من مقصلة جهاز الشرطة الذي أصر على عدم الالتفات لاعتذاره وتمسك بالمحاسبة القانونية. كما تقدّمت جمعية زوجات ضباط الشرطة ببلاغ آخر ضد رمضان، اعتبرت فيه ما بثّه أساء لزوجات الضباط ودمّر معنويات رجال الشرطة في توقيت يخوضون فيه معركة ضارية ضد الإرهاب، وقالت إن “ما قدّمه رسالة إعلامية سيئة النية”. وبعد أن قررت النيابة حبس رمضان 4 أيام على ذمة التحقيقات بتهمة الإساءة إلى الشرطة، تم إخلاء سبيله بكفالة 10 آلاف جنيه (600 دولار)، الاثنين، لكن التحقيقات مستمرة معه.

ويقارن إعلاميون بين موقف الشرطة من خيري رمضان، وهو من المدافعين عنها، وبين موقفها من آخرين اتهموا بالتجاوز في حق الشرطة، ومنهم الإعلامي أحمد موسى مقدّم برنامج “على مسؤوليتي” على فضائية صدى البلد. عندما أذاع تسجيلا صوتيا لضباط تلقوا العلاج بمستشفى الشرطة، عقب حادث الواحات الإرهابي في أكتوبر الماضي، وهم يدلون بشهادات عن تعرضهم للإهانة وللإذلال على يد العناصر الإرهابية، ما أشعل غضب الرأي العام واتهموا موسى في حينه بأنه يهدم معنويات رجال الأمن، لكنه لم يتعرّض لأي مساءلة قانونية.

ويرى مراقبون أن التحقيق مع مذيع بالتلفزيون الرسمي رسالة ترهيب للمعارضين أكثر منها للمؤيدين، لأن مضمونها يكمن في أن الحكومة تحاسب أحد رجالاتها فما بالكم بما يمكن فعله مع مناوئيها عند تجاوز الخطوط الحمراء أو الأخطاء المتكررة.

ويعكس تصعيد محاسبة الإعلاميين المتجاوزين، عدم اعتراف الحكومة بدور الجهات المسؤولة عن محاسبة المخطئين في المجال الإعلامي، ما من شأنه زيادة الاحتقان بين القائمين على الإعلام الرسمي والحكومة.

وأكد الصحافي مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أنه ضد ما حدث مع رمضان، وضد قتل كل مبادرة تستهدف التجديد. وأضاف أحمد الذي عادة ما يتخذ مواقف متشددة حيال أخطاء الإعلاميين، أن رمضان أخطأ واعترف بخطئه وقدّم اعتذارا وأنه لا مبرر على وجه الإطلاق لفتح هذه القضية من جديد.

وتُبدي أجهزة الحكومة قبضة من حديد تجاه بعض وسائل الإعلام وطريقة تناولها للقضايا الشائكة برغم سيطرة الصوت الواحد على أكثرية وسائل الإعلام، لطبيعة ملكية الصحف والفضائيات، فهي إما مملوكة سرا لجهات أمنية ويديرها رجال أعمال معروفون، وإما أن ملكيتها كلها لرجال أعمال لهم مصالح مع الحكومة.

 

اتسعت دائرة المحظورات على الإعلام المصري، وشكلت قضية الإعلامي خيري رمضان الذي يخضع للتحقيق بتهمة إهانة الشرطة، رغم ظهوره كمدافع عنها، رسالة واضحة بأن الشرطة والجيش انضما إلى القضاء والأزهر، في قائمة الخطوط الحمراء الممنوع التطرّق إليها.

ورأى يحيى قلاش نقيب الصحافيين السابق، أن توقيت حبس إعلامي لمجرّد أنه قرأ رسالة فهمت بالخطأ بالغ الخطورة، وما حدث لا يحقق مصلحة لأحد، سواء الإعلام أو الحكومة، والمفترض أن يكون الإعلام في هذا التوقيت في مقدّمة صفوف المواجهة ضد التحديات والمخاطر وليس أن تجعله الحكومة وأجهزتها في مواجهة معها.

وأضاف لـ”العرب” أن قضية حبس خيري رمضان برهنت أن الحكومة المصرية متمسكة بأن يكون هناك حبس للصحافيين والإعلاميين ولا مجال للحديث عن إلغاء هذه العقوبة في قانون العقوبات، حتى وإن كانت العقوبة ملغاة في الدستور، ولم تعد هناك حصانة ولا ضمانات لإعلامي بعد أن ضاق السقف لأدنى درجة. وأشار إلى أن “النموذج الذي اختارته الحكومة ليكون كبش فداء (خيري رمضان) مثير للريبة لأنه من أشد أنصارها، لكنه يبعث برسائل كثيرة مفادها أنه بات على الجميع، مؤيدون ومعارضون أن يعدّوا أنفسهم للمساءلة الجنائية، إذا حاولوا الاقتراب من الخطوط الحمراء أو فكّروا في تجاوزها، الأمر الذي يرهب كل العاملين في الإعلام المصري”.

ويشكّل التحقيق مع رمضان خطوة تدفع نحو مزيد من التضييق على الحريات الإعلامية في مصر، دون تفرقة بين انتقادات مهنية وأخرى تصدر من مقرّبين للحكومة أو من خصومها، فالجميع يواجه عقوبة الحبس، مع أن الدستور المصري ينص على أنه لا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية.

ووصف معارضون هذه القضية، أنها تزيد من قائمة المحرمات، وبعدما كان الأمر مقتصرا على الأزهر والقضاء، انضم الجيش والشرطة إلى قائمة الجهات التي أصبح ممنوعا الاقتراب منها أو التحدث سلبا عنها.

18