الإعلام المصري أمام معضلة "لا مانع من النقد وفق الحدود"

هل تلتقي طموحات الإعلاميين مع المسؤولين عن حجب المعلومات.
السبت 2021/03/27
الصحافيون بين مطالب الجمهور ومحاذير الحكومة

تتقاطع طموحات الإعلاميين في مصر بحرية تداول المعلومات مع قناعات المسؤولين الحكوميين بأن سياسة التعتيم حق مكتسب لهم، بذريعة الحفاظ على الأمن والاستقرار وعدم استغلال تيارات معادية لنشر الحقائق في تأليب الرأي العام.

القاهرة - يوحي النقاش الدائر بين أطراف المنظومة الإعلامية في مصر بشأن الأولوية الأهم للإعلام في الوقت الراهن، هل هي حرية النقد أم توافر المعلومات، بأن ثمة تغيرات مرتقبة في المشهد قريبا، مع توقعات بكسر الجمود الذي يعتري العلاقة بين مثلث الجمهور والإعلام والحكومة.

وأكد كرم جبر رئيس المجلس الأعلى للإعلام في تصريحات تلفزيونية مؤخرا، أن اختصار الحرية الإعلامية في النقد توصيف خاطئ للمشهد، فهي تبدأ أولا بإتاحة المعلومات الموثقة للعاملين في المهنة عموما، لأن الجمهور يحتاج إليها طوال الوقت، والإعلامي يقوم بالنقد البناء، وفق ما أتيحت له من معلومات.

ويعاني الإعلام المصري من شح في المعلومات وعدم الرد على أغلب استفساراته التي يطرحها الجمهور نفسه، أمام تمسك المؤسسات العمومية بتحديد طريقة وتوقيت الإجابة ومضمونها، ما جعل المنابر الإعلامية في مواجهة مع الشارع الذي صار ينظر إلى دور الصحافي والمذيع بريبة، فلا هما يقدمان إليه المعلومة ولا ينتقدان الخطأ.

ويرى منتمون إلى مهنة الإعلام أن حرية الرأي والتعبير في الاختلاف مع وجهات نظر أيّ مؤسسة حكومية، أو حتى السلطة ذاتها، يبدأ من إتاحتها للمعلومات الموثقة التي يمكن من خلالها الوقوف على أبعاد أي قضية أو قرار، وبعدها يمكن للإعلام ممارسة دوره في النقد وتوصيل صوت الناس بناء على ما أتيح له من معلومات.

عمرو بدر: لم تقم ثورة في أي بلد لمجرد معرفة الناس بالحقائق

وترتبط القضية الأهم التي تشغل الرأي العام المصري في الوقت الراهن، ويجد الإعلام صعوبة بالغة في مناقشتها بحرية، بطريقة إجراء امتحانات الثانوية العامة في شهر يوليو المقبل، فالحكومة تقول إنها إلكترونية ومؤمنة، والشارع يرفض لأسباب مرتبطة بإخفاقات سابقة، والإعلام عاجز عن توضيح الصورة من كل جوانبها، وهو مشتت بين تأييد رأي الجمهور أم دعم وجهة نظر الحكومة، ولأن البكالوريا ملف يهم عموم الناس وجد الإعلام نفسه في موقف لا يحسد عليه.

ويمكن البناء على تصريحات كرم جبر بأن الجهات المسؤولة عن إدارة المشهد الإعلامي في مصر، حسمت موقفها ووجهة نظرها تجاه حرية الرأي والتعبير، بأنه لا مانع من النقد وفق الحدود المتاحة، شريطة أن يتقيد بمعلومات وحقائق وأدلة، لا أن يتحدث الصحافي في المطلق بناء على وجهات نظر شخصية ليست واقعية.

ويدعم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وجهة النظر هذه، حيث أبدى امتعاضه من انتقاد بعض الأصوات الإعلامية لقرارات وسياسات دون معرفة بأبعاد كل ملف، وأكد أنه ليس ضد الاختلاف، لكنه ضد الانتقادات العشوائية.

ومشكلة الكثير من الصحافيين أنهم يستسهلون أحيانا نشر البيانات الرسمية دون القيام بجهد في البحث والتوثيق والتحري لانتزاع معلومات هامة حول قضايا تمس صميم حياة الناس، حتى لو كانت المؤسسات الرسمية تمارس التضييق على الحقيقة، ما يترتب عليه غياب النقد والعجز عن تقديم إعلام غني في مضمونه.

وفي ظل التركيز على سرعة النشر من جانب المواقع الإخبارية التابعة لمؤسسات صحافية كبرى لمجاراة منصات التواصل الاجتماعي، فقدت المعلومة قيمتها وأهميتها عند الكثير من أبناء المهنة، وصارت هناك معلومات مغلوطة تتدفق بشكل يومي، ما أضعف مصداقية الإعلام، وأفقده القدرة على مناقشة قضايا حيوية بطريقة متزنة.

وأشار محمد المرسي أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، إلى أن الحرية الإعلامية مرتبطة بشكل وثيق بحرية الحصول على المعلومات، وكلاهما لا ينفصلان عن بعضهما، فالمكاشفة والمصارحة من جانب المؤسسة الرسمية تجعل النقاش حول قضية بعينها هادفا ويخدم كل الأطراف، الإعلام والجمهور والجهة الحكومية.

وأضاف لـ”العرب”، أن تناول الإعلام لأي قرار بشكل نقدي موضوعي بناء على معلومات يفضي إلى تحقيق مصلحة عامة، ولا يمكن أن يكون هداما، لذلك تظل حرية تداول المعلومات حقا أصيلا للإعلامي والجمهور على حد سواء، ليؤسس كلاهما موقفا عقلانيا بعيدا عن الشائعات والأخبار المشوهة.

وبناء على هذا الرأي يمكن تفسير أسباب تمسك الكثير من المؤسسات الحكومية بشح المعلومات وعدم تزويد الإعلام بها، فهي تدرك أبعاد نشر الحقائق، بحكم أنها ستكون سلاحا فاعلا بيد الصحافة والجمهور في بناء رأي واقعي، وهي لا تريد ذلك، وتتعامل مع إخفاء المعلومة باعتبار أن السرية توازي تكميم حرية الاختلاف.

محمد المرسي: حرية تداول المعلومات حق أصيل للإعلامي والجمهور على حدّ سواء

ويأمل الصحافيون في مصر أن يكون طرح القضية للنقاش بالتزامن مع مارثون انتخابات نقابة الصحافيين (2 أبريل المقبل) ومساهمات المسؤولين في الجهات الإعلامية من خلال منابر تلفزيونية، مقدمة لتحريك المياه الراكدة بشأن قانون حرية تداول المعلومات الذي يمثل للعاملين في المجال بوابة ترميم العلاقة بين الجمهور والإعلام بعد فترة من التباعد.

وتتعامل الكثير من الجهات الرسمية مع التضييق على المعلومات باعتباره قضية إعلامية بحتة، دون اكتراث بحق المواطن نفسه في المعرفة، وإذا استمرت هذه القناعات وجرى استبعاد الجمهور من المعادلة، فالتعتيم سيظل قائما وسوف يبقى الخلاف منحصرا بين الإعلام والحكومة.

ويرى إعلاميون أن النقاش الموضوعي حول أي قضية أو قرار يهم عموم الناس، لا يمكن أن يتحقق مع استمرار التعتيم على المعلومة، والشراكة الحقيقية بين الإعلام والمجتمع والسلطة تبدأ بتقاسم المعلومات دون اجتزاء أو إخفاء، حتى يتسنى للأطراف الثلاثة وضع أياديهم على المشكلة الحقيقية بالنقدالبناء والصياغة الدقيقة.

وأوضح عمرو بدر رئيس لجنة الحريات بنقابة الصحافيين، أن الحق في المعلومة جزء أصيل في الحرية الإعلامية، وانعكاس حقيقي للشفافية والمصداقية، وما يثير الاستغراب، أنه لم تقم ثورة في أي بلد لمجرد معرفة الناس بالحقائق، وفي أحيان كثيرة تكون المصارحة مدخلا للاصطفاف، شريطة أن تكون حقيقية وواقعية.

وأكد لـ”العرب”، أن حرية الرأي والتعبير تحتاج لإرادة سياسية، على أن تكون البداية بإقرار حق الإعلامي في الحصول على المعلومة ليبني عليها موقفه بحيادية، إما النقد وإما الدعم، وصار على الحكومة أن تدرك قيمة المكاشفة في قيام الإعلام بمساعدتها على معرفة مناطق الخلل، بحيث يكون رقيبا على الانحراف والأخطاء وبؤر الفساد.

وإذا كانت المعلومة هي الانعكاس الحقيقي للحرية، وفق توصيف رئيس مجلس تنظيم الإعلام كرم جبر، أصبح حتميا التوقف عن شيطنة وسائل الإعلام التي تجاهد للتحرر من البيانات الرسمية، لأنها تجتزئ الحقائق ولا يصدقها الجمهور، ولا تؤسس لوعي متين أو نقد بناء يلبي طموحات الشارع والحكومة معا.

18