الإعلام المصري يتدارك غيابه الدولي بحلول شكلية

فكرة محاسبة الوزير الإعلام أسامة هيكل تعبر عن رغبة لتقديم كبش فداء للأخطاء التي وقع فيها الإعلام وأدت إلى تراجع معدلات المشاهدة للقنوات الفضائية المصرية.
الخميس 2021/04/01
الإعلام المصري أمام تحدي مواجهة الإعلام الأجنبي

يسائل البرلمان المصري وزير الدولة للإعلام أسامة هيكل بشأن إخفاق القطاع الإعلامي في التعامل مع أزمتي سد النهضة وسفينة قناة السويس الجانحة. ورغم عدم حضور هيكل لجلسة الاستجواب فإن فكرة محاسبة وزير ليست له صلاحيات لا تكفي لحل مشاكل الإعلام المتراكمة منذ سنوات.

القاهرة- قرر مجلس النواب المصري استجواب وزير الدولة للإعلام أسامة هيكل على خليفة تقرير لجنة الإعلام والثقافة والآثار الذي اتهمه بالفشل في أداء مهام منصبه المكلف بها، وركز على إخفاقه في تحديد رؤية إستراتيجية شاملة للإعلام.

وساد غضب كبير في مجلس النواب بعدما أعلن رئيسه حنفي الجبالي عدم امتثال هيكل للحضور لاستجوابه. وقال الجبالي في بيان إن عدم حضور الوزير فيه مساس بهيبة مجلس النواب وكرامته.

ورغم عدم حضور الوزير للجلسة فإن استجوابه قد ينطوي على أبعاد أخرى لها علاقة بخلافات بين الهيئات الإعلامية والبرلمان من جانب، ووزارة الإعلام من جانب آخر.

ويرى متابعون للإعلام المصري أن فكرة محاسبة الوزير وربما دفعه لتقديم استقالته أو إقالته تعبر عن رغبة لتقديم كبش فداء للأخطاء التي وقع فيها الإعلام في السنوات الماضية وأدت إلى تراجع معدلات مشاهدة المواطنين للقنوات الفضائية المصرية، ما يجعل تعيين وزير آخر بلا صلاحيات حقيقية تمكّنه من فرض رؤية متطورة تدعم حرية الإعلام لن يغير من أوضاع القطاع شيئاً.

ليلى عبدالمجيد: من المهم أن تكون هناك حجج ووثائق تدعم رؤية الدولة

وذكرت لجنة الإعلام النيابية أن من ضمن الأسباب الرئيسية للاستجواب هو حديث الوزير عن تفوق الإعلام الإثيوبي على نظيره المصري في أثناء المفاوضات التي رعتها واشنطن العام الماضي، واعتبرت ذلك اعترافا بالتقصير يفرض مساءلة الوزير سياسيا.

وفي هذه الأثناء قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تشكيل لجنة إعلامية مشتركة مع وزارة الري لوضع تصور عام عن المعالجة الإعلامية لقضايا المياه وسد النهضة تتعامل مع الخارج والداخل أيضاً بمواد إعلامية منظمة على أن تبدأ أعمالها قريبا.

ويشير خبراء الإعلام إلى أن الخطوات المصرية جاءت متأخرة ولن تكون ذات جدوى طالما لم يحدث تغيير على مستوى إتاحة حرية المعلومات ورفع سقف الحريات العامة بما يتيح تقديم خطاب يجعل وسائل الإعلام تساير التطورات الدولية على مستوى تغطية الأحداث ذات الارتباط المباشر بالأمن القومي المصري.

ولن تتمكن اللجنة المستحدثة من توظيف الأدوات المناسبة للتعامل مع الأزمات والتحديات ومخاطبة الرأي العام الدولي إذا افتقدت صلاحية الكشف عن كثير من المعلومات الغائبة، وطالما جرى تشكيلها وفقاً لإطار عمل لا يمكن الخروج عنه، بالتالي ستفقد القدرة على إقناع الجمهور بوجهة النظر المصرية الرسمية، وتظل أسيرة لنفس الخطاب الداخلي الذي يقوم على الحشد والتوجيه وليس تقديم المعلومات بشفافية.

وقالت أستاذة الإعلام السياسي بجامعة القاهرة ليلى عبدالمجيد إن وسائل الإعلام المصرية تمتلك العديد من الآليات للتعامل مع الخارج بشكل احترافي بعيداً عن تشكيل اللجان التي قد لا تؤدي إلى شيء ملموس في نهاية الأمر، ونجاحها سيكون مرهونا بمدى قدرتها على وضع سياسات متطورة لتوصيل رؤية القاهرة بشأن سد النهضة وغيره من القضايا الملحة والتي تمثل تحديا للدولة.

وأضافت في تصريح لـ”العرب”، أن “الأمر لم يعد بحاجة إلى قناة فضائية كما كانت تذهب غالبية التقديرات في السابق، لأن هناك شبكة إلكترونية واسعة النطاق وتصل إلى أكبر عدد من الجمهور يمكن أن يوظفها الإعلام المصري للتواصل مع العالم، ومن المهم أن يكون بلغة تخاطب الرأي العام الخارجي، والأمر لا يقتصر على اللغة بمعناها المباشر، لكن على ضرورة أن تكون هناك حجج ووثائق تدعم رؤية الدولة”.

عبدالله زلطة: القائمون على الإعلام في مصر لم يوظفوا الأدوات التي يمتلكونها لمخاطبة الخارج

وأثبت تعاطي موقع هيئة قناة السويس الإلكتروني مع جنوح السفينة في الممر المائي للقناة إمكانية الوصول إلى الرأي العام الدولي بسهولة، حيث تمكن الموقع من بث مواد متنوعة حية لتطورات أزمة سفينة  ”إيفر غيفن” وصولا إلى تحريكها بسلام، وقدمت الهيئة المعلومات بسلاسة لوسائل الإعلام، ما يعني أن المسألة ليست مستحيلة.

وأوضحت عبدالمجيد أن الإعلام المصري ما زال رهن سياسات قديمة لم تعد صالحة، واستغلال العالم لمواقع التواصل الاجتماعي لا بد أن تواكبه تحركات على القدر ذاته، والموضوع بحاجة إلى فعل منظم ومعلومات موثقة وفريق يؤمن بالقضايا المصرية ويتقن استخدام الأدوات التكنولوجية الحديثة وامتلاك مهارات التواصل المتقدمة.

ووضع المجلس الأعلى للإعلام قيوداً على تناول الإعلام المصري للقضايا ذات البعد الإقليمي بعد أن تسببت خطابات بعض الإعلاميين غير المنضبطة في إثارة مشكلات سياسية بين مصر والعديد من البلدان في الإقليم من دون أن يكون هناك إدراك لأن هذه القيود ستغيّب الإعلام عن القضايا الفاعلة في محيطه الإقليمي، ودون معالجة الأمر عبر إتاحة المعلومات الصحيحة بدلاً من الارتكان إلى الصوت المرتفع في القنوات الفضائية.

ونص ميثاق ضمان حماية مقتضيات الأمن القومي الذي وضعه المجلس الأعلى للإعلام العام الماضي على عدم إثارة المواطنين أو تحريضهم على ما يهدد الأمن القومي، وعدم التحريض على مخالفة الدستور والقانون.

 وشدد على عدم نشر بيانات أو إحصائيات مجهولة المصدر تتناول الوضع الاقتصادي في البلاد بصورة تنال منه، كذلك عدم الإضرار بالمصالح الخارجية للوطن وعدم التحريض على التدخل في شؤونه والإساءة لعلاقاته الخارجية.

ويبدو أن هناك اعترافاً ضمنيا من الهيئات المشرفة والعاملين في قطاع الإعلام بوجود فشل على مستوى مخاطبة الخارج، واعترف المجلس الأعلى للإعلام في تقريره حول أداء الإعلام العام الماضي بأنه “ما زال في حاجة إلى تغطيات على مستوى جيد لقضايا مصر الدولية ذات البعد القومي بجانب القضايا المحلية”، وطالب بـ”متخصصين في المجالات الدولية لشرح هذه القضايا في ضوء محددات الأمن القومي”.

الخطوات المصرية جاءت متأخرة ولن تكون ذات جدوى طالما لم يحدث تغيير على مستوى إتاحة حرية المعلومات ورفع سقف الحريات العامة

وقال أستاذ الإعلام بجامعة الفيوم (جنوب غرب) عبدالله زلطة إن مخاطبة الرأي العام الدولي بحاجة إلى تخطيط إستراتيجي تشارك فيه جهات عديدة بالدولة في مقدمتها هيئة الاستعلامات التي غابت عن اللجنة المشكّلة أخيراً، ومتوقع أن تستمر الجزر المنعزلة بين الهيئات ووزارة الإعلام والهيئة المنوطة بالتحدث مع الإعلام الغربي.

وأكد في تصريح لـ”العرب” أن “القائمين على الإعلام في مصر لم يوظفوا الأدوات التي يمتلكونها لمخاطبة الخارج وظلت قناة النيل الدولية الرسمية مفتقدة القدرة على التأثير، كما أن الإذاعات الموجهة للقارة الأفريقية غابت الآن، وفشلت الإدارة الحالية في توظيف العلاقات القوية مع الدول الصديقة التي لديها وسائل إعلام ذات تأثير قوي إقليمياً لتوصيل رؤية مصر في قضايا مختلفة”.

وتنبّأ زلطة بفشل المحاولات الجديدة في التعامل الإعلامي مع ملف سد النهضة بعد أن غاب الإعلام لنحو عشر سنوات عنه، والتقصير لا يمكن تحميله فقط لوسائل الإعلام، لأن الجهات المعنية لم توفر الأجواء الملائمة لتقديم خطاب رصين.

18