الإعلام المصري يتلمس طريق الإنتاج الإلكتروني بمنصة لبرامج الهواتف

المنصات الإلكترونية جسر تواصل بين الشباب العرب لما تقدمه من محتوى ترفيهي وتثقيفي وتعليمي وفني.
الجمعة 2020/07/17
أسلوب إنتاج يناسب المتلقين الشباب

تحاول الحكومة المصرية تدارك تأخرها في التحول الرقمي لقطاع الإعلام سنوات عديدة فبدأت التركيز على المنصات الإعلامية الإلكترونية الشبابية، كبديل متطور وأقل تكلفة من تأسيس قناة فضائية موجهة للجمهور العربي بشكل عام.

القاهرة – فرضت التطورات التكنولوجية نفسها على وسائل الإعلام المصرية، وأصبح اللجوء إلى مخاطبة جمهور المنصات الإلكترونية أمرا ملحّا في ظل أوضاع صعبة يعاني منها الإعلام التقليدي، ما أفرز إنشاء أول استديو لهواتف المحمول بمدينة الإنتاج الإعلامي التي تبث من داخلها العشرات من القنوات الفضائية المصرية والعربية.

ويحوي الاستديو الجديد أجهزة موبايل بدلا من كاميرات تصوير، في خطوة تبرهن على أن هناك تغيرات قد تطرأ على شكل الإعلام خلال السنوات المقبلة، لإحداث طفرة على مستوى التواصل مع الجمهور الشباب.

وأكد وزير الإعلام المصري أسامة هيكل أنه بصدد الانتهاء من مشروع التحول الرقمي لجميع وسائل الإعلام، وسيتم عرضه للمناقشة على العاملين قبل إقرار تنفيذه، ما يعني أن بعض القنوات قد تتحول إلى الإنتاج الإلكتروني، خاصة أن بعض الإعلاميين دشنوا تجاربهم الإعلامية الخاصة بهم عبر يوتيوب ونجحوا في الوصول إلى شريحة واسعة من الجمهور.

ويرى خبراء أن القائمين على الإعلام  في مصر وجدوا أن كثيرا من القنوات الفضائية حققت نسب مشاهدات مرتفعة على صفحاتها التي دشنتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وأن البرامج والفقرات المقدمة عبر التلفزيون نجحت في أن تحقق جماهيرية واسعة عبر تسويقها إلكترونيا، ما يعني أن هناك قابلية لمشاهدة هذه البرامج على الإنترنت بدلا من تكاليف الإنتاج الباهظة التي تتكبدها قنوات خاسرة.

وتأخر الإعلام المصري في التوجه نحو الإنتاج الإلكتروني، واقتصرت كثير من التجارب على المبادرات الشخصية من دون أن تكون هناك رؤية واضحة نحو التحول الرقمي، غير أن اتساع رقعة جمهور مواقع التواصل الاجتماعي، وعدم قدرة الإعلام التقليدي على مخاطبة عقول الشباب، واهتمام قنوات معادية للحكومة بإنتاج محتويات رقمية كبيرة، دفعت القائمين على ملف الإعلام لدراسة تجارب المحتويات الإلكترونية وجدوى تطبيقها على نطاق واسع.

المذيع في المنصة يعد صانعا للمحتوى بشكل كلي، بدءا من فكرة الحلقة وإعدادها والمونتاج حتى يظهر البرنامج للجمهور

وأمسكت الشركة العربية للاستوديوهات زمام المبادرة بشأن الإنتاج الإلكتروني، بعد أن أطلقت منصة “10 موجو” في فبراير الماضي، وهي منصة رقمية تحمل نفس اسم الاستديو الذي تخرج منه، تقوم بتقديم محتوى ترفيهي تثقيفي تعليمي فني يتم إنتاجه بالهواتف المحمولة.

انبثقت هذه المنصة من فعاليات مؤتمر صحافة الموبايل والإعلام الجديد في باريس، الذي عُقد مطلع العام الجاري للحديث عن صحافة الموبايل أو ما يعرف حديثا بـ”موجو”، وهي من الأنماط الصحافية الأكثر تفاعلا لما تحتوي عليه من مشاركة واسعة في الرؤى والأفكار بين الشباب الذين يتفاعلون مع هذه البرامج.

وقال مدير “تن موجو”، هيثم الصاوي إن المنصة تقوم بإنتاج عشرة برامج في الشهر الواحد من داخل استديو “10 موجو” وعدد العاملين في القناة لا يتجاوز 10 أفراد لا تتجاوز أعمارهم 25 عاما، يقومون بإعداد وتصوير ومونتاج وعمل الغرافيك الخاصة بالبرامج على أجهزة الموبايل.

وأضاف لـ”العرب”، أنه جرى اختيار فريق العمل وفقا لمسابقة “صانع المحتوى” التي أطلقتها المنصة قبل ثلاثة أشهر، واشترطت أن يكون المتقدمون ممن لم يسبق لهم تقديم برامج أمام الكاميرات، بما لا يؤدي لتشتيت الرسالة الإعلامية، كما أن المذيع في المنصة يعد صانعا للمحتوى بشكل كلي، بدءا من فكرة الحلقة وإعدادها واختيار الضيوف وكتابة التعليقات وعمل المونتاج حتى يظهر البرنامج إلى الجمهور.

ويرى الصاوي أن الإنتاج عن طريق الهاتف المحمول يختلف كثيرا عن الإنتاج التلفزيوني، ويتيح تقديم جودة أفضل من كاميرات التلفزيون بفعل التطورات التكنولوجية الهائلة في الهواتف المحمولة، ويوفر في أعداد العاملين، كما أن البرامج تكون مصممة على الشكل الطولي المناسب للموبايل، بجانب أن مدة البرنامج الواحد لا تتجاوز عشر دقائق بما يكون ملائما للجمهور المتلقي.

أول استديو لهواتف المحمول بمدينة الإنتاج الإعلامي
أول استديو لهواتف المحمول بمدينة الإنتاج الإعلامي في مصر

وتقدم المنصة برامج متنوعة خاصة بأساليب الحياة، والفن والرياضة وتربية الحيوانات الأليفة، والتصوير والموسيقى والتجارب الحياتية، وأنتجت أول مشروع غنائي مصور بالهواتف المحمولة، وجميع هذه المحتويات صممت خصيصا من أجل جمهور مواقع التواصل الاجتماعي الذي تتراوح فئاته العمرية ما بين 13 و35 عاما.

وأكد الصاوي أن المنصة تعرض محتوياتها على فيسبوك ويوتيوب وساوند كلاوند وتويتر وتيك توك، وأن البرنامج الواحد يجري تقديمه بأشكال مختلفة على كل منصة، بما يواكب طبيعتها ويتماشى مع الجمهور الذي يتردد عليها، وهناك شراكات من جهات دولية تشارك في تقديم صناعة المحتوى الذي تقدمه المنصة.

ويعوّل القائمون على مجال الإعلام في مصر على المنصات الشبابية الإلكترونية في تقديم رسالة تقارب بين الشعوب العربية المختلفة، لأن طبيعتها تقوم على الجوانب التوعوية والثقافية بعيدا عن استخدام السياسة أو الدين، كذلك فإن طبيعة هذه البرامج التفاعلية تخلق قدرا من التواصل المفقود بين الشعوب العربية.

ويبدو أن التركيز المصري الحالي على المنصات الإعلامية الإلكترونية بديل مشروع عن عدم قدرتها تأسيس قناة فضائية موجهة للجمهور العربي بشكل عام، لما تحتاجه من إمكانيات مالية، بجانب أسباب أخرى ترتبط بسياساتها التحريرية وتوجهاتها، وبالتالي قد يكون دعم إحدى المنصات مفيدا في التواصل مع الشباب العربي.

وأشار الصاوي إلى أن منصة “تن موجو” نجحت في أن تجذب جمهورا من مختلف البلدان العربية، وتحقق نسب مشاهدات مرتفعة داخل مصر وفلسطين والأردن، وتعمل على تكثيف التبادل الثقافي والمعرفي بين الشباب، وهناك مناظرات تجري عبر برنامج “تن أرابيان”، ويقدمه أربعة من المذيعين من الجزائر وتونس والعراق ولبنان.

وتسابق الحكومة المصرية الزمن لإحداث طفرات على مستوى التحول الرقمي بعد أن تأخرت سنوات عديدة في هذا المجال، حيث وصل عدد الحاملين لأجهزة المحمول حوالي 94 مليون مواطن، ووصلت نسبة مشتركي الإنترنت إلى نحو 50 مليون شخص، بينهم 28 مليون مشترك عن طريق الهواتف المحمولة.

وأكد خبير الإعلام الإلكتروني محمد عبدالرحمن أن الإعلام الحديث يقوم بالأساس على التفاعل بين صانع المحتوى والمتلقي، وهو أمر تحققه وسائل التواصل الاجتماعي التي تشهد توسعا في الاستخدامات الإعلامية المختلفة، وأن الاعتماد على صانع وحيد للمحتوى وتقبل نفقات الإنتاج الإعلامي يدفع نحو تشجيع التجارب الإلكترونية التي تحقق عوائد مرتفعة حال تقديم محتوى جذاب من دون أن يحتاج الأمر إلى تكلفة باهظة.

وأوضح أن هناك مشاورات عديدة تجري في الوقت الحالي بشأن التوسع في استخدام الهواتف المحمولة في عملية تصوير البرامج التلفزيونية جراء التطور التقني الذي حدث في الموبايل، وأن زيارة وزير الإعلام لاستوديو تم تجهيزه بالموبايل تؤكد هذا التوجه في ظل حاجة الحكومة لتخفيض نفقات المؤسسات الإعلامية.

وأجبر الجمهور المصري القائمين على ملف الإعلام إحداث قدر من التغيير في أسلوب تفكيرهم، وأن أرقام الاشتراكات التي حققتها منصات درامية وفنية عديدة تشجع على تكرار الأمر بالنسبة للقنوات الفضائية وتدفع لتقديم برامج قصيرة ومركزة تشكل عاملا تثقيفيا بجانب المحتويات الدرامية والسينمائية.

وتشير المؤشرات العالمية إلى أن نسبة من استخدم الهاتف الذكي في العالم عام 2020 تخطت 3.5 مليار شخص في أنحاء العالم.

18