الإعلام المصري يحتاج لاستعادة مصداقيته قبل أن يتصدى للمخاطر

يذهب خبراء الإعلام إلى أن حل الأزمة التي تعصف بالقطاع الإعلامي في مصر يبدأ من أهل المهنة أنفسهم، وعلى نقابة الصحفيين أن تلعب دورا فاعلا وألا تكتفي بالمطالبة بتشريعات جديدة، في حين أن القوانين الحالية لا يتم تطبيقها في ضبط المشهد الإعلامي.
الجمعة 2015/11/13
سلم نقابة الصحفيين ومكاتبها ما زالوا يحتضنون التواقين إلى حرية الصحافة

القاهرة – تواجه نقابة الصحفيين المصريين انتقادات شديدة اللهجة واتهامات بالتقصير وغياب الدور الفاعل وفقدان القدرة على التأثير في حل الأزمة المتصاعدة وغير المسبوقة التي يشهدها الإعلام.

ويتفق أغلب العاملين في الصحافة المصرية على أن المهنة، وصناعة الإعلام بشكل عام، تمر بواحدة من أخطر مراحلها التاريخية، من حيث الانتشار الكثيف للمواقع الإلكترونية والفضائيات وحتى الصحف الورقية، دون ضوابط أخلاقية أو مهنية تحكم العاملين فيها.

وترتب على هذا الانتشار المرتبط بانفلات مهني، توتر علاقة الإعلاميين بالكثير من أجهزة الدولة الرسمية، وهو التوتر الذي بلغ مداه في تصريحات الرئيس المصري مؤخرا التي انتقد فيها الأداء الإعلامي وانفلاته، وغمز وقتها إلى أن هذا القطاع به الكثير من الكوارث التي تحتاج لوقفها.

وفي محاولة للعب دور فاعل، دعت النقابة أول أمس، رؤساء تحرير الصحف المصرية لاجتماع عاجل لمناقشة كيفية الحفاظ على التوازن الدقيق بين حرية الصحافة والحفاظ على الثوابت الوطنية.

وأصدر المجتمعون بيانا أكدوا فيه أن الدفاع عن الدولة المصرية لن يكون دون إعلام حر، مطالبين الحكومة بسرعة إصدار التشريعات الصحفية المكملة للدستور، والقوانين المنظمة لحرية الصحافة والإعلام وحرية تداول المعلومات.

وذكر رؤساء تحرير الصحف أن من يتربصون بالدولة المصرية يستفيدون بالأساس من وجود أوضاع غير ديمقراطية، تمس حرية الصحافة والإعلام، ولفتوا إلى أنه لن تكون هناك حرية واستقلال في الصحافة دون تحرير المجال العام من ترسانة القوانين المكبلة للحريات العامة، والتي يعود بعضها لعقود سابقة.

ورفض المجتمعون التجاوزات التي يرتكبها قطاع من الإعلاميين والصحفيين ودعوا لوقف التحريض والتراشق فيما بينهم، إلى جانب رفضهم أي نوع من التحريض من أي جهة ضد الصحافة والإعلام.

وفسر البعض تدخل النقابة بعد فترة من الصمت، بالدعوة المبطنة من الرئيس عبدالفتاح السيسي لأن يتوحد الإعلام خلف الدولة لمواجهة المخاطر التي تحاك ضدها.

حنان فكري: مؤسسة الرئاسة لم تكن يوما وصية على الإعلام، ومبادرة النقابة ليس للدولة دور فيها

لكن حنان فكري، عضو مجلس نقابة الصحفيين أكدت لـ”العرب” أن مؤسسة الرئاسة لم تكن يومًا وصية على الإعلام المصري، وحالة اليقظة التي دعت إليها النقابة لمواجهة التحديات في هذا القطاع، مبادرة ليس للدولة أي دور فيها.

واتهم خبراء إعلاميون نقابة الصحفيين بازدواجية الموقف بين الدعوة للاصطفاف الوطني، وتكرار بياناتها عن أن الإعلام المصري يتعرض لحملة ممنهجة من القيود على الحريات، وتعليقا على هذا الاتهام قالت فكري، إن “التحرك في هذا التوقيت، جاء بناء على ما رصدته النقابة من خطر يزداد ضد الدولة المصرية والإعلام في نفس الوقت، ونحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ونريد الوقوف بجانب الدولة الوطنية، وحل مشاكل القطاع الإعلامي، لأن الخطر يحدق بالجميع”.

وأضافت أنّ كل ذلك يحتاج إلى توصيات قابلة للتطبيق يضعها رجال الصحافة والإعلام، لتحسين الأداء الإعلامي والصحفي، وتحديد المسؤولية الإعلامية تجاه كل ما يجري، مع مواجهة الهجمة التي تتعرض لها من بعض وسائل الإعلام.

وعادت فكري لتؤكد أن النقابة رغم حالة التنادي التي تتبناها لا تستطيع إلزام أي صحيفة بالتوصيات التي صدرت عن اجتماع رؤساء تحرير الصحف، إلا إذا تبناها رئيس تحرير الصحيفة بنفسه، معتبرة أن نقابة الصحفيين لن تصل رقابتها على الصحف إلى حد الإلزام بأمر معين، والأهم أن يتم توحيد كلمة الإعلام المصري خلال الفترة المقبلة، ويكون الهدف الذي تجتمع عليه كل الصحف، الحفاظ على تماسك وقوة الدولة المصرية.

بدوره يرى مجدي بيومي أستاذ الصحافة والإعلام، أن الإعلام المصري أكثر من يؤمن بنظرية المؤامرة، وهو ما يجعله في احتياج لأن يستعيد مصداقيته أولًا قبل أن يتصدى لمواجهة المخاطر الخارجية التي تتعرض لها الدولة، فمخاطر الإعلام الداخلي، ربما تكون أقوى من الخارجي، لأنها “مستمرة كل يوم تقريبًا، أما الخارجي فهي مرتبطة بأحداث معينة لها علاقة بمصر”.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب” أن مشكلة الإعلام المصري أنه يخاطب نفسه، ولا يملك القدرة على مجاراة الإعلام الخارجي، لأسباب كثيرة تتعلق بالمهنية وعدم الاعتماد على الكفاءات، ودخول رأس المال في صناعة الإعلام بشكل سيء، لكن الأمر بات يحتاج إلى تكاتف جميع الأطراف الإعلامية، بالإضافة إلى أن نقابة الصحفيين عليها مسؤولية ثقيلة في ذلك التوجه، بحيث تكون رسائل الإعلام واضحة وهادفة، وتعيد المصداقية من جديد للإعلام المصري.

ويبدو لافتا أن بيان النقابة رهن وقف الانفلات في الساحة الإعلامية بإصدار التشريعات التي تنظم المجال الإعلامي، وهو ما يعتبره أستاذ الصحافة والإعلام استهلاكا إعلاميا، مبررا تفسيره بأن إصلاح الصحافة والإعلام في مصر لا يحتاج إلى مزيد من التشريعات، بقدر ما يحتاج إلى خروج من ليست لهم علاقة بالصحافة أو الإعلام من المشهد، ومحاسبة المخطئين والمتجاوزين بالقوانين الموجودة بالفعل في النقابة، وإلزام الجميع بتطبيق التوصيات التي يتمخض عنها اجتماع رؤساء التحرير وكبار الكتاب.

ويحتاج هذا التماسك، من وجهة نظر بيومي، إلى إعلام حر ينتقد بمهنية بعيدًا عن المزايدة أو تضخيم الأمور، سواء السلبية أو الإيجابية، حتى يتمتع بالمصداقية، ويشعر المواطن أن ما يعرضه الإعلام عن الدولة المصرية حقائق مجردة، تخرج من إعلام لا تصنعه الدولة، بل يصنع نفسه بنفسه.

وطالب بأن يكون أعضاء النقابة ورؤساء تحرير الصحف هم من يرسمون الخريطة المستقبلية للإعلام المصري والارتقاء بمهنيته، والالتزام بميثاق الشرف، وأن يتأكد الجميع من أن الصحافة الحرة المسؤولة هي الوحيدة القادرة على الدفاع عن قضايا الوطن والمواطنين، مهما كانت التحديات.

18