الإعلام المصري يخرج عن صمته السياسي بعد صدمة المظاهرات

إنكار الخبر لا يكفي لإقناع الجمهور المنفتح على الفضاء التلفزيوني والرقمي.
الثلاثاء 2019/09/24
استفاقة متأخرة

خرجت وسائل الإعلام المصرية عن صمتها الطويل في التعامل مع الأحداث السياسية، بعد أن واجهت صدمة تضخيم المظاهرات على القنوات الإخوانية في قطر وتركيا، ووجدت أن مواجهة الجمهور وتوفير المعلومة التي يحتاجها، هي السياسة الأمثل لوقف سيل الشائعات والأخبار الكاذبة.

القاهرة - بدأت بعض وسائل الإعلام في مصر في كسر حاجز الصمت والتخلي عن سياسة التجاهل حيال الأحداث المحلية، بعد الفيديوهات التي بثتها شخصيات معارضة على مواقع التواصل الاجتماعي على مدار شهر.

وتناولت برامج تلفزيونية مسائية عديدة، المظاهرات المحدودة التي ضخمها معارضون، واستغلتها قنوات تابعة لجماعة الإخوان، تبث من قطر وتركيا لنشر أخبار كاذبة ومضللة. ما جعل الدماء السياسية تضخ في عروق وسائل الإعلام المصرية بعد فترة من التجميد، عندما أصبح خطابها منحصرا في ترديد ما تمليه عليها الحكومة، وتبني برامج ترفيهية بعيدة عن صلب السياسة في مصر.

ويبدو أن وسائل الإعلام كانت بحاجة إلى صدمة أو هزة عنيفة لتدرك خطورة الدور الذي يلعبه الإعلام في تشكيل الرأي العام، وتخرج عن الإطار المحدود الذي حكم توجهاتها، وفي معظمه كان متخليا عن الشق السياسي، بما منح منصات الإخوان العلنية والمستترة فرصة للانفراد بالساحة وتضخيم أحداث محلية، والتأثير في وجدان المواطنين، ومحاولة هز ثقتهم في مؤسساتهم الحيوية.

ويرى البعض من الخبراء أن على الإعلام أن يكون متسقا مع توق الجمهور للمعرفة، حتى دون وجود أزمات سياسية وأمنية واجتماعية، خصوصا مع مهارة الأجيال الجديدة في الوصول إلى المعلومات التي تريدها من جهات مختلفة، مع خطورة الحصول على معلومات زائفة تؤدي إلى مشكلات تصل إلى تهديد الأمن القومي، وأحد أسبابها الرئيسية تقاعس الإعلام وعدم قدرته على أداء دوره.

وتعرضت الحكومة المصرية إلى هزة مساء الجمعة، عندما روجت قناة الجزيرة القطرية، ومحطات تابعة لجماعة الإخوان في تركيا، ومواقع إلكترونية تعج بالنشطاء، لحديث متواتر عن تظاهرات تعم شوارع القاهرة وغيرها، صوّرتها وكأن حراكا ثوريا على وشك الانفجار.

وفي الحقيقة، خرج العشرات من المواطنين احتجاجا على أزمات اقتصادية وطالبوا بإصلاحات سياسية، بينما تم رفع لافتة أو أكثر تطالب الرئيس عبدالفتاح السيسي بالرحيل عن السلطة، الأمر الذي صب في أهداف الحملة التي تشنها جماعة الإخوان، وصنعت منها وسائل الإعلام التابعة لها قصة تطورها حسب مصالحها.

واعتمدت وسائل الإعلام المصرية في البداية على الإنكار دون بذل مجهود في عرض تفاصيل الحقيقة، وثبتت بعض الفضائيات كاميراتها في ميدان التحرير الشهير بوسط القاهرة لنفي تهمة وجود تظاهرات، واكتفت بدور عرض الصور فقط، ما ضاعف من قدرة الإعلام المضاد على الإمساك بتلابيب الأمور، وزيادة القصص والحكايات المشوهة، في محاولة لتحويل الثورة الافتراضية إلى واقعية، والاستفادة من استمرار القيود المفروضة على الإعلام المصري.

الإعلام بحاجة إلى أفكار نوعية وتغيير كبير في المحتوى، وتوفير هامش مناسب من الحرية يلبي حاجة المصريين للمعلومة

أكد محمد المرسي، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، أن الصدمة الأخيرة التي تعرضت لها مصر ستعيد ترتيب أولويات الإعلام، وسوف تنتج عنها سياسة تحريرية رائقة تكون بديلا عن حالة التجهيل وغياب المعلومات التي كانت سمة أساسية السنوات الماضية.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، أن نزول فضائيات مصرية لميادين قيل إنها شهدت تظاهرات يعدّ مقدمة للتغيير، ويوحي بأن هناك خطة في هذا الاتجاه تتجنب الأخطاء، لأن مواكبة الإعلام لما يحدث من تطورات لحظة بلحظة مسألة مهمة لعدم ترك الساحة للقنوات التي تبث من تركيا وقطر واستثمرته بطريقة سياسية.

وأشار المرسي إلى أن تحديث الشاشات والاستعانة بوجوه جديدة ليسا كافيا، وإنما الأمر بحاجة إلى أفكار نوعية وتغيير كبير في المحتوى، وتوفير هامش مناسب من الحرية يثري المصريين، ويجعلهم أكثر قدرة على التعامل مع حروب مواقع التواصل، ويحرم من يتربصون بهم من المزايا التي حصلوا عليها جراء الغياب عن التفاعل.

وبدأ تفكيك بعض القيود خلال اليومين الماضيين، بما وفر لوسائل إعلام محلية أداة جيدة لمجابهة الخطاب المضاد، واستعادة فئات غائبة من الجمهور تسمّر عدد كبير منها مساء السبت والأحد أمام شاشات كانوا هجروها لضعف مضمونها وعدم مجارات الأحداث السياسية.

وقالت مصادر لـ”العرب” إن تجربة استعادة الإعلام لجزء من لياقته تجعل الحكومة تفكر جديا في مراجعة آلياتها الحالية وتوسيع مساحة التجاوب مع الأحداث والتخلي عن سياسات دفن الرؤوس في الرمال التي كبدت الدولة خسائر باهظة.

وكشفت المصادر أن هناك مقدمي برامج وصحافيين سيتم إبعادهم عن الساحة الإعلامية بعد أن فقدوا مصداقيتهم تماما، وفشلوا في مواجهة الإعلام المضاد باحترافية عالية، وتسريع عملية التغييرات المنتظرة في الكثير من المناصب القيادية، والدفع بوجوه غير ملوثة سياسيا، وفتح المجال أمام استضافة بعض رموز المعارضة الوطنية.

وساهم فتح بعض النوافذ وتحرر الإعلام نسبيا من التضييق الذي فرض عليه سابقا، في سد جانب من المساحة العريضة التي استغلها إعلام قطر وتركيا، وجاءت النجاحات من رحم تغليب الكفاءة والمهنية، وبدأت تتقلص عملية التجاوب مع الشائعات الخارجية.

وقال الخبير الإعلام هشام قاسم، إن ما حدث في الإعلام المصري “نوع من الحركة لم تتحدد معالمه بعد، وظهر عليه ارتباك نتيجة قوة الصدمة التي حدثت، وستتحدد الفترة المقبلة ما إذا كان هناك إصلاح حقيقي للإعلام من عدمه، وذلك سيكون بحاجة لفترات طويلة لبلورة رؤى واضحة ونهائية”.

وأوضح لـ”العرب”، أن مشكلة الإعلام في مصر تكمن في إضعافه بشكل مبالغ فيه، وبالتالي فإن استدعاءه على عجل للقيام بمهام الدفاع عن الدولة يؤكد أهميته لكن لن يكون كافيا للحكم عليه الآن، وربما يواجه العديد من المعوقات مع استمرار التضييق في المجال العام، خاصة أن مفردات المعركة الأساسية تدور رحاها على مواقع التواصل الاجتماعي، وليس الإعلام التقليدي الذي فقد جمهوره، وبحاجة إلى معالجات متقنة من خارج الصندوق.

وأزاحت أزمة الاحتجاجات وروافدها المتباينة جانبا من الغيوم التي خيمت على أداء الإعلام المصري، وجعلته فاقد الثقة والمصداقية وغير قادر على التعامل مع تطورات التكنولوجيا الرقمية التي لن تفلح معها الخطب العصماء والديماغوجية السياسية، وتفرض تقديم رؤى واقعية تراعي طبيعة الأجواء العالمية، والحرص على صناعة محتوى مقنع كوسيلة لمواجهة سيل الأكاذيب التي تعرضت لها الدولة المصرية.

18