الإعلام المصري يفتقد لاستراتيجية فعالة في حربه ضد الجزيرة

تفنيد الادعاءات سياسة دفاعية لا تسدّ ثغرات ضعف الأداء الإعلامي.
الجمعة 2020/10/02
دحض الأكاذيب ليس كافيا

ركز الإعلام المصري جهوده على تفنيد ادعاءات قناة الجزيرة القطرية وفضح ممارساتها، ردا على سيل التقارير والأخبار التي بثتها القناة ضد مصر لكن ثمة تحفظات على طريقة وأسلوب المنابر المصرية في المواجهة دون أدوات واستراتيجية فعالة في ظل فقدان الكثير من المواطنين الثقة في إعلامهم المحلي.

 

تخلى الإعلام المصري عن صمته تجاه تجاوزات قناة الجزيرة الأيام الماضية، وبدأ بشن حملة استثنائية ضد الفضائية التي تخدم أجندة تركيا وجماعة الإخوان في المنطقة، لكن الحملة تفتقد إلى استراتيجية شاملة للتعامل مع الأخبار المضللة في الجزيرة.

وسلطت وسائل إعلام مصرية من صحف ومواقع إلكترونية وقنوات حكومية الضوء على التجاوزات القطرية ضد مصر، حتى أصبحت الحملة جزءا أصيلا من السياسة التحريرية اليومية لهذه المنابر.

وتزامن التصعيد مع بث قناة الجزيرة القطرية ومحطات فضائية تبث من تركيا تساند الاخوان، فيديوهات مفبركة عن مظاهرات قالت إنها اندلعت الجمعة الماضية ضد النظام الحاكم، وتحدثت عن مسيرات حاشدة شاركت فيها فئات مجتمعية عديدة.

وتطرقت الحملة إلى إهدار النظام القطري لأموال الشعب على تمويل تنظيمات إرهابية، وتردي الأوضاع داخل السجون القطرية، وتخصيص الدوحة مبالغ ضخمة للحماية الأجنبية وتركيا والقواعد العسكرية على أراضيها.

يضاف إليها بث كواليس قيل إنها جديدة عن محاولة الانقلاب التي قادها أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة على والده في منتصف تسعينات القرن الماضي.

مروان يونس: التهاون مع الحملات التي تشنها الجزيرة ضد الدولة لم يعد ممكنا
مروان يونس: التهاون مع الحملات التي تشنها الجزيرة ضد الدولة لم يعد ممكنا

وعكست نبرة القاهرة حجم التحول في التعامل مع الجزيرة من التزام الرد بدبلوماسية إلى التصعيد بلا سقف أو هوادة من خلال وسائل إعلام مختلفة، لكن تظل الأزمة أن المعركة تكاد تقتصر على رد الفعل دون استباق الهجوم بشكل مبتكر وفعال.

ويبدو واضحا أن هناك دعما من الجمهور المصري لإعلامه في حربه ضد الجزيرة، لكن ثمة تحفظات على طريقة وأسلوب المواجهة، حيث يمتعض البعض من عدم إنتاج أفلام وثائقية عن قطر، والتراخي في تخصيص منابر محددة لتتولى مهمة الرد بتقارير موثقة لا باقتصار الأمر على المواجهة الكلامية، وإعادة إنتاج الكثير من المواد التي تبثها وسائل إعلام أجنبية من حين إلى آخر.

كان الهجوم على الجزيرة يدور في فلك الأدوار الفردية لمذيعين وصحف بعينها، لكن هذه المرة يتحرك بطريقة أكثر تنظيما وبشكل متواز في غالبية المنصات لضمان أكبر تأثير في الرأي العام الذي بدأت تتحول بوصلة اهتماماته نحو بعض القنوات العربية بسبب تراجع الابتكار في الإعلام المصري.

ويؤاخذ على هذا الإعلام أنه ركز جهوده على تفنيد ادعاءات القناة القطرية وفضح ممارساتها دون أن يغلق الثغرات التي تنفذ منها إلى الجمهور المحلي، واستمر في تقديم محتوى يروج لإنجازات الحكومة حتى أصبح المشاهد أمام شاشة نصفها يستهدف الجزيرة وأعوانها، والنصف الآخر يجمّل الصورة بالداخل.

يرى خبراء الإعلام أن غالبية المنابر تفتقد وجود استراتيجية شاملة للتعامل مع أكاذيب الجزيرة، حتى لا تكون الانتفاضة الراهنة وقتية ومرتبطة بأحداث تثيرها القناة القطرية تستهدف القاهرة، كما أن البرامج التي أنتجتها محطات مصرية لم يتم تسويقها ولم تصطحب إصرارا على استمرارها لمواجهة خطر الإعلام المعادي.

وأذاعت فضائية الحياة برنامجا بعنوان “كمين” واستهدف توعية المواطنين بكيفية فبركة الجزيرة لفيديوهات المظاهرات، لكنه توقف بعد أشهر قليلة.

وما زالت حملات التوعية التي تبثها قنوات مصرية لدحض أكاذيب الجزيرة وإعلام الإخوان تأخذ منحنى تصاعديا كلما كانت هناك أزمات داخلية يتلقفونها.

وقال مروان يونس، المهتم بالإعلام السياسي، إن “الحرب ضد قناة الجزيرة فرض عين على الإعلام المصري، والتهاون مع الحملات التي تشنها القناة ضد الدولة لم يعد ممكنا، لأنها تكسب أرضية كلما جرى التعامل مع ممارستها بصمت، خاصة عندما يتجاوز الأمر حد بث الأكاذيب والشائعات للتحريض المباشر على الهدم”.

وأضاف يونس في تصريحات لـ”العرب” أن “الإعلام المصري عليه تقديم رسائل أكثر عمقا ووضوحا دون الانجرار إلى مناوشات ومعارك كلامية لا تؤثر في الجزيرة ومشاهديها، بل يستهويها أن تصبح المواجهة معها لفظية”.

وتتمثل مشكلة استراتيجية رد الفعل التي يتبناها الإعلام المصري، في التعامل مع الجزيرة، أنها تكتفي بتفنيد الادعاءات، وقد تتورط قنوات مصرية في الترويج لأكاذيب المنابر الإخوانية دون قصد، في ظل فقدان الكثير من المواطنين الثقة في إعلامهم المحلي.

وعندما قامت الشركة المتحدة أخيرا بفبركة فيديو خاص بتظاهرات قيل إنها حدثت في مصر تلقفته الجزيرة معتقدة أنه حقيقي، وسارعت بإذاعته ثم اكتشفت الخدعة لاحقا، وهنا أحرزت الشركة المصرية هدفا كبيرا في مرمى الجزيرة والإعلام التابع للإخوان، حيث تبين أنهم وقعوا فريسة الجري وراء إذاعة محتوى ضد النظام المصري دون التأكد من صدقيته.

ويرى مراقبون أن التركيز على الربط بين الجزيرة والإرهاب قد لا يأتي بمردود إيجابي، فأغلب الجمهور يثق في ذلك دون أن يحاول المذيع هذا أو ذاك إقناعه بأن القناة بوق للتطرف وزعزعة الأمن والاستقرار، وغير منطقي أن تردد صحف وقنوات معلومات بديهية دون تقديم الوثائق اللازمة.

عمرو قورة: كسر أي هجوم إعلامي مضاد يتطلب سياسات واضحة
عمرو قورة: كسر أي هجوم إعلامي مضاد يتطلب سياسات واضحة

كما أن الإرهاب انحسر في مصر بشكل كبير، ولم يعد مصدر اهتمامات المصريين، وتطغى صعوبات الحياة المعيشية على أي خطر آخر، وجذب انتباه الناس يكون بإنتاج أفلام وثائقية تفضح استراتيجية النظام القطري والجزيرة وأعوانهما في ما يتعلق بتهديدهم للأمن القومي المصري والعربي.

ويقول هؤلاء إن الإعلام المصري لم يستفد بعد من تبعية الكثير من مؤسساته لأجهزة حكومية لديها من المعلومات والوثائق ما يكفي لتركيع الجزيرة، وفضح مخططاتها وكشف النظام القطري على حقيقته.

وترتب على ذلك ضعف أسلحة المواجهة وعدم ملاءمة الحرب الممنهجة التي تشنها الجزيرة من وقت إلى آخر، وما زالت هناك قنوات مصرية تكتفي ببث مقاطع وثائقية أنتجتها جهات خارجية مثل الفيلم الفرنسي “قطر.. حرب النفوذ على الإسلام في أوروبا” وأذيع من قبل وفقد رونقه، إلى جانب تجربة أخرى شاركت فيها مصر بشكل أكبر عبر فيلم “جزيرة الإرهاب”.

وثمة معضلة أخرى يعاني منها الإعلام المصري، ترتبط بأنه يتعامل مع هجوم الإعلام المعادي بنفس الأدوات التقليدية التي يستخدمها في التواصل مع المواطنين، وتطغى السطحية على الكثير من محتوى رد الفعل، في حين أن شريحة من الجمهور قد لا تقتنع بالرسالة لأنها غير موثقة ولم تخترق وعيهم في ظل تصاعد الحملات المضادة على الحكومة.

وما زالت أغلب القنوات والصحف بحاجة ماسة إلى كسب رضا الجمهور المتلقي أولا، فهناك فجوة بين الطرفين يجب غلقها قبل حشد الرأي العام لدعم الإعلام في مواجهة الجزيرة كي تصبح الرسالة مقبولة.

وقبل كل هذا، صار حتميا أن يتم الكف عن تسييس كل المنابر دون توفير نوافذ للشعب، فهناك شريحة ليست مهتمة بما يسوقه الإعلام المعادي، ولا رد الفعل المصري، بقدر بحثها عن نفسها ومشكلاتها في وسائل الإعلام.

وأكد الخبير الإعلامي عمرو قورة أن “أزمة الإعلام المصري تكمن في ترك مساحات واسعة من الملعب لصالح المنصات المعادية تستغلها في شن هجمات متتالية، والحل يكون في وجود أشخاص وقنوات ينقلون متاعب المواطنين ومشاكلهم الضرورية بطريقة جادة وعلى أرضية وطنية بعيدا عن الأهداف المشبوهة لإعلام الإخوان، الذي يستغل هذه المساحات ويزعم أنه يدافع عن البسطاء”.

وأوضح قوزرة في تصريحات لـ”العرب” أن “كسر أي هجوم إعلامي مضاد يتطلب أن تكون هناك سياسات إعلامية واضحة تقوم على الشفافية وحرية المعلومات، فليس كافيا فتح متنفس بسيط للإعلام في أوقات الأزمات وسرعان ما تعود الأمور إلى طبيعتها”.

18