الإعلام الممول قطريا وتقارب الدوحة مع اللوبي اليهودي

السبت 2017/09/23

يقول الخبر على ذمة “فوربس” وهي مجلة اقتصادية محكمة وواسعة الانتشار وذات سمعة مهنية رفيعة، إن الدوحة صارت تلجأ لأساليب غريبة في التقـرب من اللوبي اليهودي الأميركي الفاعل في الولايات المتحدة، واستمالته عبر مقايضات غريبة تكشف حجم التورط القطري الاستخباري الغريب في كل مفاصل الصراع الشرق أوسطي.

ونقلت المجلة عن قيادات يهودية أميركية أنهم تلقوا عرضا يفيد باستعداد الدوحة لمقايضة لقاء الأمير تميم بن حمد آل ثاني لدى زيارته القريبة إلى نيويورك، بجثة الضابط الإسرائيلي هادار غولدين، الذي اختفى أثناء الحرب على غزة عام 2014 وأعلنت إسرائيل لاحقا أنه قتل، وجندي إسرائيلي آخر محتجز لدى حماس. المجلة أضافت أن أمير قطر، الذي لا يلتقي عادة إلا بكبار قادة الدول، يعتزم هذه المرة لقاء جمعيات الضغط اليهودية الأميركية، على هامش مشاركته في فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك التي انطلقت منذ أيام.

لا يخرج هذا الخبر عن سياق المدهشات القطرية التي صارت تنكشف تباعا، لكنها لم تعد تثير الاستغراب من دولة صغيرة مختطفة من قبل أكبر أخوية شر في العصر الحديث، فتكثف في رأس قيادتها المرتهنة للإخوان المسلمين طموحات ذلك الفأر الذي لا يملأ صندوقا يتسع لأكثر من فيل، المشكلة هنا أن الصندوق تم حشره بفئران مزعجة قادرة على زحزحته بقوة في محل مكتظ بالخزف.

لا ينكر أحد مهما خاصم قطر أنها استطاعت وبخبث توظيف المال وبكميات خرافية تكفي لسد عجز موازنات دول في عمليـات استخبارية تمـرر سياسـات السيطرة للتيار الإسلامي السياسي، ونحن لا نرى أن القيادة القطرية ارتأت توظيف المال في التيار الإسلامي على قاعدة تبادل المصالح، بل إن القيادة القطرية مرتهنة بالمطلق للتيار الإسلامي، ولجناح فاعل وذكي في الإخوان المسلمين متحالف مع سلفية إسلامية، وما كل هذا التعنّت القطري إلا دفاعا عن وجود هذا التيار الذي سينتهي ويتلاشى فورا حال إزاحته عن السلطة في قطر.

في الإعلام كانت السيطرة الأولى، وقد أدرك مختطفو الـدولة القطـرية من الإسلاميين التأثير الضخم للإعلام في العالم وتوجيه الرأي العام وتضليله بما يشاءون من سياسات، عبر قناة “الجزيرة” التي انطلقت في الدوحة كتحصيل حاصل لعملية حسابية خاطئة أجرتها الـ”بي بي سي عربي” البريطانية السعودية آنذاك، فانتقل الطاقم المدرب جيدا إلى الدوحة لتنطلق “الجزيرة”، تلك القناة التي شغلت منـذ انطلاقتها منتصف التسعينات من القـرن الماضي، العالم والناس، حتى أن الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك زار مبانيها وقتها والتفت إلى وزير إعلامه صفوت الشريف ليسخر قائلا “كل الضجة اللي احنا فيها من علبة الكبريت دي يا صفوت؟” في إشارة منه إلى صغر حجم مبنى المحطة قياسا إلى مبنى ماسبيرو الشهير في القاهرة.

اختطاف “الجزيرة” لم يكن فوريا، بل كان لا بد من تأسيس قناة قادرة على استقطاب أكبر عدد ممكن من جماهير العالم العربي، فكانت قطر وبتفاهمات استخبارية معلنة وغير معلنة قد استطاعت أن تؤسس لقناة لا ينكر أحد ذكاءها وسقفها العالي، وعلى طريقة تربية دجاج المزارع، وبعد وصولها الذروة في نسبة المشاهدين بلا منازع، تم اختطاف المحطة بمشاهديها في عملية انقلاب سريعة أطاحت بمديرها الفذ محمد جاسم العلي، واستبدلته بالربيب الإخواني وضاح خنفر، وهو مراسل مغمور خريج مدارس إعلامية مغمورة تشرف عليها التيارات الإسلامية، وقد سمعت من زميل يعد من أعلام المحطة السابقين قبل أشهر تفاصيل كثيرة عن براعة محمد جاسم العلي في إدارة القناة واندهاش الجميع من الانقـلاب الإخواني الـذي جعل أغلـب محترفي الإعلام خارج خط الإخوان ومصالحهم يخرجون من المحطة بأقل الأضرار.

الدوحة ارتأت أن تمد خطوطها الإعلامية لأبعد من قناة “الجزيرة” فكانت عمليات شراء الصحف وإنشائها على قدم وساق في العواصم المؤثرة، وكانت المعلومات الاستخبارية مغذيا رئيسيا لتلك المؤسسات الصحفية، بل إن الدوحة اشترت حقوق تعريب أحد أكبر المواقع الأميركية الصحافية انتشارا ومهنية، وهو موقع “هفنغتون بوست”، لتسلمها مرة أخرى لوضاح خنفر، الذي حول النسخة العربية منها إلى مجلة حائط إسلاموية أضرت بسمعة المؤسسة الأميركية الأم كثيرا.

قرأت تقريرا صادرا من مؤسسة بحثية في باريس (وهو المركز العربي الأوروبي لمكافحة التطرّف) يتحدث عن خفايا عالم الدوحة السري، ومنه يكتشف المرء بالمعلومات كيف استطاعت الدوحة “المختطفة” أن تموّل أكبر نشاطات الإرهاب في العالم، وتضلل الرأي العام العربي والعالمي.

وفي التقـرير معلـومات، لا بـد من التعـامل معها بحذر طبعا، تكفي لإدانة الدوحة عشرات المرات على جرائم تقارب الخيـال في تخطيطها.

ومن هنـا تصبح الأزمة ليست خليجية فحسب، بل أزمة عربية ودولية، فالأخطبوط القطري صغير في مركزه، لكن الغاز والنفط مدا له أذرعا طويلة، تكفي للالتفاف على الكرة الأرضية وخنقها.

كاتب فلسطيني مقيم في لندن

9