الإعلام ضد الإعلام

الأربعاء 2016/08/24

تدفق صباح الاثنين الماضي عدد من الإعلاميين والأدباء والمثقفين للتجمهر أمام محكمة الجنح المختصة بقضايا النشر والإعلام في بغداد، كما تواجد داخل قاعة المحكمة عدد غير قليل منهم ومجموعة من المحاميين الذين تطوعوا للدفاع عن الصحافي منتظر ناصر الذي تعرض للطرد من وظيفته في شبكة الإعلام العراقي، ويواجه الآن دعوى قضائية بالسجن والملاحقة بعد نشره لتقرير عن وجود “فساد” في هيئة الإعلام والاتصالات.

وما إن نطق القاضي بحكم الإفراج عن المتهم وبطلان الدعوى حتى هتف الشاعر الإعلامي أحمد عبدالحسين “يحيا العدل.. يحيا العدل” وسرت موجة من البهجة والرضا بين من كانوا داخل قاعة المحكمة ومن كانوا متجمهرين في الشارع بالرغم من حرارة جو بغداد التي تجاوزت 46 في الظل…

وسرعان ما امتلأت صفحات فيسبوك بصور تجمعات الإعلاميين والمثقفين المحتشدين لمناصرة “الإعلامي المتهم”، وظهرت على فيسبوك صورة نص قرار محكمة الجنح المختصة بقضايا النشر والإعلام القاضي برد التهمة “لعدم كفاية الأدلة الموجهة إليه من قبل صفاء الدين ربيع رئيس الجهاز التنفيذي لهيئة الإعلام والاتصالات… والإفراج عنه وفق المادة 433 /1 من قانون العقوبات”.

أظهرت هذه القضية التي تحولت إلى قضية رأي عام تمس حرية التعبير وليس مجرد تحرك إعلامي لنصرة زميل إعلامي يقف أمام القضاء بسبب شكوى من مدير مؤسسة إعلامية انزعج من نشر تحقيق يبحث في قضايا الفساد بمؤسسته الإعلامية.

وسبقت جلسة المحكمة بيوم مظاهرة لعدد من الصحافيين، اعتصموا أمام مبنى هيئة الإعلام والاتصالات بالكرادة مطالبين بالكف عن ملاحقة الصحافيين الذي يكشفون ملفات الفساد التي هي الآن الشغل الشاغل للناس والدولة في العراق. منددين “بسياسة تكميم الأفواه التي تمارسها السلطات العراقية ضد الصحافيين ومطالبين بسن التشريعات التي تضمن حق الصحافي في الحماية والحصول على المعلومة”.

ويتعرض رئيس هيئة الإعلام والاتصالات بين حين وآخر إلى تهم وانتقادات تتكرر في وسائل الإعلام العراقية ومواقع التواصل الاجتماعي، ليست فقط “مزاعم” بوجود فساد في الهيئة، خاصة بالتعامل مع شركات الاتصالات ذات المداخيل الضخمة، وإنما أيضا ضد الممارسات الرقابية المزاجية أو المرتجلة وأحيانا المتحيزة التي ينتهجها مع بعض وسائل الإعلام والإعلاميين كالتهديد والردع والمنع والغرامة، وكان آخرها رفع دعوى قضائية ضد صحافي مارس حقه في تقصي الحقائق عن الفساد بمؤسسة إعلامية كبيرة، هي في النهاية المهيمنة على تنظيم الإعلام في العراق، ضمن تعليمات وشروط غير عصرية وغير عملية ارتجلتها في حينه إدارة بريمر السيء الصيت ومازالت سارية المفعول مع ما أضيف إليها من قيود واجتهادات تخمينية ابتكرها بعض العاملين في هيئة الإعلام والاتصالات ومن ذلك مهزلة الطيف الترددي الذي لا تملكه الهيئة وليس له وجود بالنسبة إلى البث الفضائي، ولكن الهيئة مع ذلك تجبي من القنوات الفضائية أجورا عنه، وهو لا وجود له أصلا.

وحسب المرصد العراقي للحريات الصحافية فإن الصحافي المغضوب عليه منتظر ناصر رئيس تحرير صحيفة العالم الجديد الإلكترونية هو من الصحافيين الذين شاركوا في الكشف عن أكبر فضيحة فساد في العالم المعروفة بفضيحة “أوراق بنما” ونال عنها التقدير والامتنان، لكنه عندما نشر تقريرا عن فساد في هيئة الإعلام والاتصالات في 12 فبراير الماضي، تلقى -حسب قوله- سيلا من التهديدات عبر وسيط، بدأ بالتلويح من خلالها بطرده من وظيفته في شبكة الإعلام العراقي وبملاحقة عشائرية، ووضع اسمه على اللائحة السوداء في الأمن الوطني، ورفع دعاوى قضائية ضده.

إن “حرية التعبير في العراق تواجه خطرا حقيقيا، وتزداد تلك الخطورة مع عدم تحديث التشريعات والقوانين الخاصة بالحريات العامة وحرية التعبير رغم مرور 13 عاما على التغيير”.

ولا يعتقد مرصد الحريات الصحافية أن من هم في السلطة الآن سيضمنون حرية التعبير للإعلام لذلك يرى المرصد “أن الضامن الحقيقي والوحيد اليوم هو الحراك المدني ونضال الناشطين فرادى وجماعات للوقوف أمام أيّ محاولة لتكميم الأفواه وغلق باب الحريات العامة”.

مخرج عراقي

18