الإعلام عدو لدود يتحول إلى طوق نجاة للنظام التركي

تمكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من الوصول إلى جمهوره وتوجيه الرسائل الحية له عبر وسائل الإعلام، أثناء المحاولة الانقلابية الفاشلة، مما كان له الدور الأكبر في التأثير على مجريات الأحداث، وحشد الموالين للحكومة لتحدي المتمردين.
الاثنين 2016/07/18
هل يكون الانقلاب سببا لهدنة بين الحكومة التركية والإعلام

أنقرة – برزت التكنولوجيا الحديثة ووسائل الإعلام التقليدي والجديد كلاعبين أساسيين ومؤثرين في فشل الانقلاب على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وكانت المفارقة أن هذه الوسائل لطالما كانت من أشد أعداء الحكومة التركية التي اتخذت العديد من الإجراءات للحد من الوصول إليها والتضييق على مستخدميها في الكثير من المناسبات والأحداث المناوئة للنظام.

تحدثت التقارير الإعلامية وتحليلات الخبراء عن الخطأ الأول للانقلابيين، بعدم سيطرتهم على وسائل الإعلام، فلم يقوموا بإغلاق محطات التلفزيون الخاصة أو اتصالات الهواتف المحمولة ومواقع التواصل الاجتماعي مما مكن أردوغان ومساعديه من حشد مؤيديهم بسرعة للنزول إلى الشوارع ومقاومة الانقلاب.

وكان البيان على محطة (تي.آر.تي) الرسمية الذي أعلن فيه المتمردون فرض حظر التجول وأمروا الناس بالبقاء في منازلهم، قد أحدث إرباكا عندما كان الرئيس بعيدا عن المدينة في عطلة في أحد المنتجعات، لكنه أصبح عديم التأثير بعد وقت قصير، من استخدام أردوغان تكنولوجيا الاتصالات الحديثة بفطنة لإيصال رسالته إلى الجماهير البالغ عددها نحو 80 مليونا ليتفوق على تحرك المتآمرين.

وقام الانقلابيون بمحاولة غير متقنة لإسكات محطة “سي.إن.إن ترك” المملوكة لشركة تيرنر إنترتينمنت سيستمز الأميركية ودوغان شاهين القابضة.

وحطت طائرة هليكوبتر تقل مجندين وضابطا واحدا في المحطة لكن قيل لهم إنه من المستحيل قطع إشارة البث. وقال العاملون في المحطة إن الجنود أمروا بإخلاء مؤقت للاستوديو، وعندما عادت المحطة للبث وصفت المذيعة نيفسين مينجو والمدير العام أردوغان اكتاش طريقة تعامل الجنود الشبان ومزاجهم بالقول “هؤلاء الجنود الشباب لم يكن لديهم سوى الخوف في أعينهم ولا أي دلالة على الولاء أو الإصرار”.

وأضافت قائلة “طلبوا منا قطع البث وقلنا إنه لا يمكن فعل ذلك. ولم يعرفوا كيف يقومون بذلك فظل الاستوديو الفارغ على الهواء طوال الوقت إلى أن استعدنا التحكم”.

مراسلون بلا حدود: أردوغان ومناصروه الذين تعودوا انتقاد مواقع التواصل بشدة، استخدموها لاستعادة السيطرة

وخلال الانقطاع جاب رجل يرتدي قميصا وردي اللون الاستوديو وهو يصيح قائلا “الله أكبر” في إظهار دعمه لأردوغان.

في المقابل تمكن مساعدو أردوغان من إبلاغ وسائل الإعلام التركية والعالمية بأن الرئيس الذي يتولى السلطة منذ 2003 آمن ولم يعتقل حتى في الوقت الذي كان يستولي فيه جنود على محطة تي.آر.تي التلفزيونية.

واستخدم الرئيس التركي “فيس تايم” -وهو تطبيق فيديو كان على الهاتف الذكي للمراسلة- لبث رسالة حية على الهواء على محطة “سي.إن.إن ترك” بعد أن فشل الانقلابيون في السيطرة عليها.

وتمكن في رسالته من حشد مؤيديه بالقول “دعونا نحتشد كأمة في الميادين… أعتقد أننا سنتخلص من هذا الاحتلال الذي وقع في فترة وجيزة. أنا أدعو شعبنا الآن إلى النزول للميادين وسنعطيهم الرد الضروري”.

وخلال 20 دقيقة من إذاعة بيان الانقلاب كتب رئيس الوزراء بن علي يلدريم رسائل تدين الانقلاب على تويتر وتؤكد للأتراك أن القيادة العليا للقوات المسلحة لم تساند التمرد.

كذلك استخدم عبدالله غول سلف أردوغان في المنصب تطبيق “فيس تايم” لإعلان تحديه لمدبري الانقلاب على محطة “سي.إن.إن ترك” وتحدث رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو إلى إحدى الفضائيات العربية عبر الهاتف ليعلن عن فشل محاولة الاستيلاء على السلطة.

وحتى زعماء أحزاب المعارضة الثلاثة سارعوا بإدانة الانقلاب وعجت وسائل التواصل الاجتماعي بدعوات للتظاهر ضده.

وتبرأت مذيعة قناة “تي أر تي” الرسمية التركية من البيان الذي أذاعته، قائلة إن هناك 4 أشخاص جنود دخلوا إلى القناة، وقالوا إنهم يمثلون الجيش التركي، وطالبوها بإذاعة البيان الأول للجيش التركي.

وأوضحت المذيعة أن الجنود الأربعة التابعين للجيش أجبروها على إذاعة البيان وقالوا إنه “لمصلحة الشعب التركي”، وأضافت “قاموا بتهديدنا بالسلاح لقراءته”، حسب ما نشرت وسائل الإعلام.

تمكنت وسائل التواصل الاجتماعي من اختصار الزمن وتوفير الأدوات للوصول السريع إلى الجمهور، فمثلما جعلت من الصعب على الحكومات حجب الأخبار وأصوات الاحتجاج، منحت للحكام فرصة لإيصال رسائلهم إلى مؤيديهم ومناهضيهم على حد سواء، وأظهر المثال التركي التناقض الصارخ مع محاولة انقلاب باءت بالفشل في النهاية ضد ميخائيل غورباتشوف الرئيس السوفييتي السابق عام 1991 حين لم يجد أمامه سوى الاستماع للخدمة العالمية لراديو هيئة الإذاعة البريطانية في منزله الخاص بشبه جزيرة القرم دون قدرة على التدخل مع انكشاف الأحداث في موسكو.

وحذا المسؤولون الأتراك حذو العديد من الشخصيات الثورية التي استخدمت تقنيات الاتصال الحديثة وقتها ليكونوا أوسع حيلة من أعدائهم. فمن القس البروتستانتي مارتن لوثر الذي استخدم الصحف المطبوعة في عام 1517 لنشر أطروحاته التي تنتقد الكنيسة الكاثوليكية وصولا إلى آية الله روح الله الخميني الذي سجل أشرطة صوتية نسخت ووزعت في أنحاء إيران لهزيمة الشاه عام 1979.

ولم تخلُ الأحداث التركية من خسائر في صفوف الصحافيين، إذ نددت منظمة “مراسلون بلا حدود” بشدة السبت بـ”الهجمات التي تعرض لها” مندوبو وسائل إعلام وصحافيون خلال محاولة الانقلاب في تركيا، والتي أسفرت خصوصا عن مقتل مصور تركي بأيدي جنود متمردين.

وقالت المنظمة المدافعة عن حرية الصحافة إن مصطفى قمبز المصور في صحيفة “يني سافاز” قتل “بعدما دعا إلى التعبئة ضد الانقلاب على مواقع التواصل الاجتماعي”.

وأضافت أن صحافيين تركيين آخرين “تعرضا لاعتداء عنيف من جانب متظاهرين موالين للحكومة”، ونقلت عن أحدهما “أن (المتظاهرين) كادوا يرمون به من على جسر”.

ولاحظت أيضا أن الرئيس رجب طيب أردوغان ومناصريه “الذين تعودوا انتقاد مواقع التواصل الاجتماعي بشدة، استخدموا (هذه المواقع) بشكل كبير لاستعادة السيطرة على الوضع”.

18