الإعلام في تونس يسقط في فخ تصفية الحسابات السياسية

الثلاثاء 2014/10/21
القانون الانتخابي حدد من صلاحيات الهيئات المستقلة في مراقبة الحملات الانتخابية

تونس - وضعت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس وحدة لمراقبة وسائل الإعلام رصدت المخالفات كمقدمة لاتخاذ التدابير اللازمة، لكنها فشلت في المقابل في التحكم في الفضاء الرقمي الشاسع “المحارب” الأساسي في المعركة الانتخابية رغم وجود إطار قانوني.

يتوقع إعلاميون أن يتم تسجيل خروقات كثيرة بسبب المال السياسي الفاسد الذي أصبح وسيلة سياسيين للوصول إلى الصحفيين، إلى جانب تخندق إعلاميين في صف أحزاب سياسية تمثلهم إيديولوجيا.

ومع اقتراب الانتخابات التشريعية ارتفعت حدة المعركة الإعلامية بموازاة معركة مشابهة على مواقع التواصل الاجتماعية.

وأفاد إلياس السلامي رئيس وحدة مراقبة الحملة الانتخابية بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات بأن الوحدة رصدت 106 تجاوزات من قبل وسائل الإعلام المكتوبة والإلكترونية منذ انطلاق الحملة الانتخابية التشريعية.

وأبرز السلامي أن 40 بالمئة من جملة التجاوزات المرصودة مادة إعلامية اتسمت بالانحياز السياسي و46 بالمئة منها خطب متشنجة منشورة تجاه فاعلين سياسيين.

ورصدت الوحدة 6 حالات إشهار (إعلان) سياسي وحالة واحدة إشهار سياسي مقنع.

وقالت عضو الهيئة رشيدة النيفر إن القانون الانتخابي حدد من صلاحيات الهيئات المستقلة في مراقبة الحملات الانتخابية ولم يترك لها مجالا للتحرك سوى مراقبة عملية الإشهار السياسي في حين أسند المرسوم 116 للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهايكا) أكثر الصلاحيات، مضيفة أن القانون الانتخابي لم يتضمن الآليات والوسائل الكافية التي تضمن عدم هتك الأعراض والمساس بالحريات وفق رأيها.

وينص الفصل 31 من الدستور، على أن حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر مضمونة، ولا يجوز ممارسة رقابة مسبقة عليها، إلا أن دستورية “الهايكا” تسمح بالعمل على تعديل المشهد الإعلامي وتنظيمه خلال فترة الانتقال الديمقراطي والانتخابات.

تصدرت حركة النهضة المشهد الإعلامي بنسبة 9.51 بالمئة

وفي نتائج تقريرها الأول المتعلق باحترام التعددية في وسائل الإعلام كافة خلال الحملة الانتخابية التشريعية أفاد عضو (الهايكا) رياض الفرجاني بأن التقرير الذي يهم الأسبوع الأول للحملة الانتخابية كشف عن تأثير الاستقطاب الثنائي السياسي على مدة البث المخصصة للقائمات المترشحة.

وتصدرت حركة النهضة المشهد الإعلامي بنسبة 9.51 بالمئة مقابل 6.30 لحركة نداء تونس يليها الحزب الجمهوري بنسبة 5.57 بالمئة فحزب آفاق تونس بنسبة 5.37 بالمئة.

ورغم مبدأ التناصف بين الجنسين الذي ينص عليه القانون الانتخابي في تونس فقد كانت نسبة الحضور النسائي “فاضحة”، حيث سجلت في أفضل الحالات مع الإذاعتين الخاصتين “موازييك اف ام” 6.20 بالمئة و”اكسبراس اف ام” 6.17 بالمئة، في حين كانت النسب متدنية في بقية الوسائل الإعلامية.

ويضم المشهد الإعلامي في تونس 9 إذاعات عمومية وإذاعتين مصادرتين “الزيتونة” و”شمس إف إم” و14 إذاعة خاصة و10 إذاعات جمعياتية مقابل 10 تلفزات عمومية وخاصة.

ويتوقع إعلاميون أن “الهايكا” ستكون أمام امتحان “صعب”.

ولعلّ القضية الأساسية اليوم التي تشغل الرأي العام التونسي هي قضية رجل الأعمال التونسي ورئيس حزب الاتحاد التونسي الحر المرشح للانتخابات الرئاسية، سليم الرياحي والقناة التلفزيونية الخاصة “نسمة”.

وفي تفاصيل القضية أن قناة “نسمة”، لمالكها نبيل القروي، عرضت ما أسمته “تحقيقا استقصائيا” بعنوان “حقيقة رجل الأعمال سليم الرياحي”، هاجمت فيه وعوده بإنجاز مشاريع وهمية، إلى جانب “تلاعبه بمشاعر عائلة وعدها بسفر ابنتها للعلاج في الخارج على نفقته الخاصة لكنه نكث بوعوده، ما أدى إلى وفاة الطفلة".

هذا العمل الاستقصائي اعتبره صحفيون تحقيقا “لا يمت للصحافة الاستقصائية بصلة ولا يندرج ضمن أي شكل من الأشكال الصحفية”. إلا أن قناة “نسمة” قالت إن ما قدمته لا يخالف أخلاقيات المهنة الصحفية.

إلياس السلامي: 106 تجاوزات في وسائل الإعلام منذ انطلاق الحملة الانتخابية

أما الرياحي فقال، من جانبه، على صفحته على فيسبوك إن الغاية من بث البرنامج هو تشويه صورته، مشيرا إلى أنه تعرّض إلى الابتزاز من قبل العائلة المالكة للقناة التي “طلبت منه مبلغا قدره مليونا دولار مقابل العدول عن بث البرنامج”.

لم تتوقف القضية هنا فقد أجاب الرياحي عبر قناة “التونسية” التي يمتلك ذبذباتها، ما اعتبره صحفيون حربا سقط في فخها الإعلام.

وتمثل قضية المرشح الرياحي مع قناة نسمة التلفزيونية نموذجا للدور الذي يلعبه الاعلام في تونس حاليا، ومحاولاته الدخول في المعارك الانتخابية والاستفادة أيضا من المنافسات الساخنة التي تشهدها العملية الانتخابية. ومن على شاشات التلفزيون انتقلت الحرب إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت خلال الحملة الانتخابية إلى فضاء للإشهار السياسي.

هذا الفضاء تحول أيضا إلى مجال لتشويه القائمات المتنافسة تصل في بعض الأحيان إلى النيل من أعراضهم باعتبارها الوسيلة الأسهل للاتصال، أضف إلى ذلك أنها أقل تكلفة من الحملة الانتخابية على الواقع.

وأثارت حركة النهضة هذا الأسبوع جدلا واسعا على المواقع الاجتماعية بسبب تعديل صورها وفيديوهاتها المنشورة على حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي.

ولجأت حركة النهضة، التي غادرت الحكم مكرهة بعد ضغط شعبي واسع، إلى توظيف مواقع التواصل الاجتماعي للإيهام بأن اجتماعاتها كانت شعبية ومنظمة، وهو ما شكك فيه الكثير من المتابعين، الذين اتهموا النهضة باللجوء إلى تقنية الفوتوشوب، وتقديم صور وفيديوهات لا تنقل حقيقة الحضور الجماهيري، بل إنها تضخمه عبر تجميل الصور وإدخال تعديلات تقنية عليها.

وتعليقا على هذه “الحيلة” الانتخابية، خاطبت الناشطة السياسية رجاء بن سلامة النهضويين قائلة “يا جماعة سيدي الشيخ – وتقصد الغنوشي -: لا تستبلهوا التونسيين”.

وفي محافظة صفاقس (وسط شرقي) سخر تونسيون؛ “النهضة أوهمت التونسيين بأن مسرح صفاقس تحول إلى مسرح قرطاج”. من جهته، تساءل الصحفي زياد الهاني، الذي عرف بنقده الشديد للإسلاميين "هل يعكس هذا الاجتماع قوة حقيقية للنهضة، أم تغطية معدة بشكل جيد وإخراج متقن على تراجع وزنها في الشارع التونسي"؟

من جانب آخر تلجأ الأحزاب والمهيمنة إلى “شراء” مدونين وناشطين يمتلكون صفحات على موقع فيسبوك لمحاربة منافسيها. لكن منتقدين يؤكدون أن “الإشكال يكمن في غياب الإطار القانوني المنظم وكذلك عدم قدرة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات على مراقبة هذا المجال الشاسع”.

يذكر أن في تونس قرابة 4 ملايين مستخدم للإنترنت.

وصرح أمين الحلواني عن شبكة “مراقبون” بأن الجمعية قد وضعت مشروعا لمراقبة التجاوزات التي تقع في مواقع التواصل الاجتماعي، باعتبار أنه ليس هناك أي طرف يقوم بمراقبة هذه المواقع رغم وجود إطار قانوني واضح.

ويتمثل المشروع الذي وضعته شبكة “مراقبون” في رصد التدوينات التي تشجع على الكراهية والعنف خلال الحملة الانتخابية عن طريق تركيز منظومة معلوماتية ترصد مدى استعمال كلمات معينة من ناحية الكيف والكم لتتمكن من معرفة الأطراف التي استعملتها في مواقع التواصل.

لكن خبراء يشككون في فعالية الأمر، مؤكدين أنه في ظل التضييق على الإعلام في الحملة الانتخابية فإن التميز سيكون للشبكات الاجتماعية.

18