الإعلام في قفص الاتهام

الأربعاء 2017/02/15

ظهر للإعلام بمختلف قنواته السمعية والبصرية دور جديد وهام في الحراك الشعبوي والنخبوي على حد السواء، فبعد أن كان يتهم في السابق بالتبعية والتضليل، صار اليوم المشجب الذي تعلق عليه العامة والخاصة أخطاءها.

حصلت، منذ ثورات الربيع العربي، نقلة كبيرة في العالم العربي تحررت خلالها الأصوات وملأت الشوارع وواجهت الكاميرات دون أن تصاب بفوبيا الأضواء، لكنها في كل مرة ترفع لافتات ساخطة على وضع ما إلا وكان الإعلام أول المتهمين.

وفي المقابل، يهاجم الساسة الإعلام حتى في أكثر الدول تقدما وأشدها حرية في إبداء الرأي، بدل إرضاء المتظاهرين والخروج بحلول مرضية لكل الأطراف.

يوجهون خطابات تستهجن مواكبة الإعلام لكل حدث طارئ عوض معالجة مسائلهم العالقة، فقد سبق أن هاجم الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي وسائل الإعلام، وانتقلت العدوى إلى شعب لم يراع مبادئ الإضراب الراقية التي تستوجب شارة حمراء على الكتف مع مباشرة العمل لا إغلاق مصادر أرزاقهم والوقوف خارجا في مواجهة الأبواب الموصدة، ثم يتهم الإعلام بالفضح والتشهير متغاضيا عن وظيفته الأساسية الكامنة في البث الحي.

لم يعد الإعلام الأداة الوحيدة لنقل الخبر، بل أضحى نشطاء وأغلبهم أناس عاديون صحافيين يتداولون الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل آني وسريع. ليواجه المتظاهرون إذن مارك زوكربيرغ مؤسس فيسبوك أو جاك دورسي مؤسس تويتر أو غيرهما من المسؤولين على منصات الشبكات الاجتماعية الافتراضية، بتهمة إتاحة المجال أمام الأصوات الرافضة لبعض الأوضاع أو الفاضحة للمسكوت عنه.

أصابع الاتهام تلاحق اليوم الإعلام عوض أن تضع إصبعا على مكامن الداء في الكثير من المسائل، فعلى سبيل المثال مات الرضيع صاحب الستة أشهر في تونس فاستنكر الأطباء تجريمهم ونفوا عن أنفسهم التقصير والاستهتار بأرواح البشر، ودخلوا في إضراب ليتهموا الإعلام بالتضليل عوضا عن محاسبة القطاع على النقص بالكثير من المعدات، واتهموا الصحافيين بدل أن يضعوا حدا لأخطائهم الطبية، التي زادت بشكل فاضح لا يخفى على أحد، سواء قال الإعلام كلمته أو أسدل الستار على كاميراته.

لو حاول المنددون بالإعلام التحالف معه لكان صوتهم إلى القاصي والداني، بالإضافة إلى أن ما ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي في أحيان كثيرة من أخبار كاذبة أو معلومات غير دقيقة تحوله البرامج التلفزيونية إلى مادة تتناولها ببرامجها من خلال استدعاء المعنيين بالأمر وتكشف ما خفي عن المشاهد.

يقدم الإعلام في عرف المجتمعات العربية الدعم إلى الأيادي الخفية المسؤولة عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية وعن انتشار البطالة وتفشي الكثير من الظواهر كتعاطي المواد المخدرة والاغتصاب وغيرها، حتى أن البعض ذهب إلى القول إن ما يستنكر إعلاميا يقنن في ما بعد، بمعنى أن الإعلام يتستر بدل أن يفضح ويساعد على الجرم عوضا عن تجريم الفاعلين.

الواضح أن المتهم الوحيد اليوم القابع في قفص الاتهام هو غياب ملكة العقل الرشيد عن المواطن سواء كان من الساسة أو الرعية.

كاتبة من تونس

18