الإعلام في ليبيا بين تابوهات المجتمع وغياب المتلقي

الخميس 2013/08/29
طفرة إعلامية في ليبيا بعد ثورة 17 فبراير: كما وكيفا

طرابلس- يقول عماد العلام رئيس تحرير جريدة «ليبيا الإخبارية»: «أعتقد أن الإعلام الخاص الذي لم يكن له وجود بالمفهوم الحقيقي للكلمة قبل ثورة السابع عشر من فبراير، قد أعلن عن نفسه بوضوح خلال هذه المرحلة الانتقالية على الأقل!».

يواصل العلام: «لأول مرة وبعد أربعة عقود ونيف يجد القارئ الليبي نفسه أمام إعلام من نوع جديد، لم يألفه من قبل حيث ظل لسنوات طويلة رهين ما يتدفق إليه من جانب واحد فقط!! ولأن هذا المشهد الجديد الذي بدأ يتشكل بعد هذا الزلزال الذي أطاح بأعتى دكتاتورية قبضت على أنفاس الإعلام، مثلما أحكمت قبضتها على باقي مفاصل الحياة في البلاد استهوى محترفي مهنة الإعلام وسواهم من الهواة، فرأينا صحفا وموجات راديو وقنوات تلفزيونية خاصة، فاق عددها المتوقع، ومن هنا بدأت الفوارق المهنية بين ما قدمته هذه الوسائل الإعلامية الخاصة، فكل وسيلة إعلامية خاصة، حاولت أن ترسم شخصيتها المستقلة وفق سياستها التي رسمها لها ممولوها، فبعضها نجح إلى حد كبير، والبعض الآخر فشل بسبب افتقار الخبرة والتجربة اللازمة… والمتلقي يستطيع أن يلاحظ ذلك بوضوح خاصة، وأن هذه المرحلة الانتقالية قد صاحبها تقييم كبير لأداء الإعلام الليبي الخاص والعام على حد سواء، كنوع من الحرية وممارسة النقد الذي كان غير مسموح به في السابق».

وأوضح الإذاعي عماد قدارة أنه لا يمكن تسمية الموجود على الساحة الإعلامية اليوم إعلاما، مضيفا: «بصراحة تغيب عنه الحرفية وبمتابعة معدي ومقدمي البرامج والإخراج، سنجد طريقة واحدة في العمل وبالتالي، لا يمكن أن تختار قناة معينة لمتابعتها».

واعتبر قدارة أن كلمة «إعلام خاص» يعني أن هناك رأس مال توفره البرامج المعروفة والمشهورة التي تجذب المعلن، ولكن من وجهة نظره فهذه القنوات يمتلكها أناس يمتلكون رأس المال فقط.


مهنية مفقودة


فيما يتعلق بالفوارق بين الإعلام الخاص وإعلام الدولة فقال العلام: «أرى من خلال معايشتي للمشهد الإعلامي اليومي، أن الإعلام المرئي الخاص قد تفوق بالفعل على نظيره العام وبخطوات واسعة، وربما يرجع ذلك إلى الوضع الراهن الذي تعانيه القنوات الرسمية من مشاكل لا حصر لها إداريا وفنيا ومهنيا، فهذه القنوات لم تعرف الاستقرار بعد بسبب الوضع الأمني المتدهور، وسيطرة مجموعات مسلحة على مقراتها واقتحامها والاعتداء على العاملين فيها، في أكثر من مرة، بالمقابل نجح الإعلام المرئي الخاص في الظهور بالشكل اللائق والتواصل مع المشاهد، معتمدا في ذلك على الإدارة الخاصة والاستقرار الإداري والتمويل الخاص، ورغم بعض العيوب المهنية إلاّ أنه الأفضل دون منازع… وعلى الجانب الآخر وفيما يخص الصحافة فالحال يختلف إلى حد ما، فمع وجود صحف خاصة مستقلة نجحت وبرهنت على كفاءتها وقدرتها المهنية، برزت على الساحة الصحفية صحف خاصة فقيرة المحتوى، ضعيفة مهنيا لم ترتق إلى المستوى الذي يؤهلها أن تحظى بثقة القارئ، وبالمقابل كان أداء الصحف الرسمية التي تتبع الدولة مرضيا إلى حد ما، واستطاعت أن تثبت وجودها وتفرض نفسها على الساحة، بعكس القنوات التلفزيونية الرسمية التي فشلت في ذلك، وربما الصحف الرسمية أكثر حظا كونها شقت طريقها بأقل مشاكل وصراعات».

ويرى قدارة أن الإعلام الخاص ظاهرة جديدة في ليبيا أصبحت موضة، متوقعا إقفال العديد من القنوات قريبا وإفلاسها. إذ من المفترض أن تسعى هذه القنوات وراء السبق الصحفي الحقيقي، ولكن تفاجأ بأنها تبث في أكاذيب وتسعى إلى الفرقة حسب وجهة نظره، طبعا.


الفكر الواحد


تحدث الإذاعي أحمد النايلي عن تجربته بـ»قناة ليبيا الحرة»، حيث قال:»لقد قدمت ساعات تلفزيونية كثيرة بعد فبراير، حيث كان لديّ في بداية الثورة برنامج يومي بعنوان «خمسون دقيقة»، ثم قدمت لاحقا «بين قوسين» و»ذاكرة وطن». لم يكن هناك أي تأثيرات للممول تجاه الرسالة الإعلامية التي أقدمها سواء في «راديو بنغازي»، أو تلفزيون «ليبيا الحرة»، بل هناك إصرار من قناة «ليبيا الحرة» على الحيادية، إذ كانت القناة تختارني للتغطيات الإعلامية لأنني لا أحمل أي توجهات سياسية أو جهوية.

ويضيف النايلي أن المشكلة التي أضحت تواجههم الآن هي التابوهات المجتمعية البعيدة عن الممول، بمعنى أن الإعلامي لا يستطيع انتقاد جماعة دينية معينة أو كتيبة معينة أو غيرها من القوى المسيطرة اليوم، لأنه يفتقد الحماية في غياب الدولة.

وأوضح النايلي: «لا يوجد ما يسمى بتأثير الممول للوسيلة الإعلامية على سير خطة العمل، إنما التأثير الفعلي هو من خارج الوسيلة الإعلامية، أي من طبيعة المجتمع التي لا تحتمل الآخر وتجيد لغة التخوين والإقصاء، وفي ظل هذه الظروف الصعبة من المستحيل قيام إعلام مهني».

في ظل الفوضى التي يعاني منها الإعلام المرئي والمكتوب طالبت أصوات في المجتمع الليبي بضرورة إنشاء وزارة للإعلام، تعمل بشكل مؤقت لتسيير المرحلة وترتيب البيت الإعلامي بشكل أكثر جدية ومهنية، فتم تعيين الكاتب يوسف الشريف لأداء هذه المهمة والذي أوضح في عدة لقاءات صحفية، أن وزارته لن تكون سيفا مسلطا على الكلمة الحرة في ليبيا، وأنها ستقف دائما إلى جانب حرية الإعلام وحرية التعبير عن الكلمة، وأضاف الشريف: «المخاوف من وجود وزارة للإعلام كانت منطقية ومشروعة بسبب تجربة ليبيا السلبية مع وزارات الإعلام في النظام السابق، والتي أضرت بالكل وخاصة العاملين في القطاع».

وأكد الشريف على ضرورة إزالة أي مخاوف تنتاب البعض، لافتاً إلى أن من بين مهام الوزارة الأساسية محاولة تنظيم العشوائية التي يعيشها قطاع الإعلام حاليا.

16