الإعلام لاعب أساسي في النسخة الجديدة من الحرب الباردة

الجمعة 2015/02/27
الاهتمام الأميركي اللافت بالقناة الروسية يأتي استجابة لنجاحات القناة التي تصل اليوم إلى 700 مليون مشاهد

واشنطن - لطالما اضطلع الإعلام بدور بارز في رسم الصورة الجيوسياسية للعالم، وقد أجبرت النجاحات المتتالية لقناة روسيا اليوم الروسية وزير الخارجية الأميركي على الخروج عن صمته وانتقاد سياسة بلاده الإعلامية مؤكدا أن نفوذ الولايات المتحدة تراجع لأن القناة الروسية نجحت في عقر دار أميركا.

أعلن وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن قناة روسيا اليوم باتت أكثر نجاحا وقدرة على إيصال مواقف الدولة الروسية، بينما لا تملك الولايات المتحدة مثل هذه الإمكانية.

واعتبر كيري أنه يتعين على الولايات المتحدة التعلم من قناة روسيا اليوم التي تبث باللغة الإنكليزية وغيرها من اللغات، لإيصال موقفها بنجاح إلى العالم، وطالب واشنطن بضخ أموال أكثر لتوضيح مواقفها عبر وسائل الإعلام.

وقال الوزير الأميركي خلال جلسة استماع في مجلس النواب بالكونغرس ليلة الخميس 26 فبراير إن قناة روسيا اليوم تتحدث بالإنكليزية، “فهل يوجد لدينا معادل ممكن سماعه بالروسي؟ إن هذا عرض غال جدا. وهم (روسيا اليوم) يصرفون مبالغ كبيرة. ويتوجهون إلى الناس باللغة التي يفهمونها”.

واستطرد مبينا “بدأنا نتبع هذه السياسية الإعلامية حيال ‘الدولة الإسلامية’.. ولكن هذا بزنس كبير يا أصدقاء. وأنا أؤيد ذلك، والرئيس يؤيد ذلك كليا، ولكن هذا يتطلب مالا”.

جون كيري: روسيا اليوم تتحدث الإنكليزية، فهل لدينا معادل بالروسي

وأشار إلى أن المنظمة الحكومية الأميركية لمجلس إدارة شؤون البث BBG التي تتحكم بالنشاط الإعلامي الدعائي (البروباغندا) بالخارج، تجري مثل هذا العمل، مضيفا “كلنا متفقون أنه يجب الجلوس والتفكير، وتحديد كيفية صرف هذه الأموال”.

أما الميزانية التي يدرسها الكونغرس لتمويل النشاط الدعائي الخارجي لمجلس إدارة شؤون البث في عام 2015 فهي لا تشمل زيادة ملموسة، إلا أن دانييل ماكداماس، مدير المعهد الأميركي “بول رون من أجل السلام والازدهار” رأى أن تمويل هذه المنظمة أكثر من كاف، فهي تحصل على أكثر من 700 مليون دولار في العام وهذا أكبر بثلاث مرات من ميزانية روسيا اليوم.

وأكد أنه كان من الحكمة أكثر لو تم بحث مسألة فعالية ومضمون وسائل الإعلام التي تمولها الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن “هناك 100 مليون دولار تصرفها واشنطن على ما يسمى بمقالات مستقلة تنشر في دول أخرى”، فضلا عن تمويلها 86 برنامجا تلفيزيونيا أجنبيا.

هذا وكان المدير التنفيذي لمجلس إدارة شؤون البث الجديد أندريو لاك قد قارن نفوذ روسيا اليوم بنشاط تنظيم “الدولة الإسلامية”، ما دفع القناة إلى مطالبة مجلس إدارة المنظمة ووزارة الخارجية الأميركية والسفارة الأميركية في موسكو بتقديم توضيحات. بينما اعتبرت رئيسة تحرير شبكة”روسيا اليوم”مارغاريتا سيمونيان ذلك “فضيحة دولية”.

يذكر أنها ليست المرة الأولى التي يتطرق فيها رئيس الدبلوماسية الأميركية إلى عمل قناة روسيا اليوم، إذ شن العام الماضي هجوما عليها واصفا تغطية القناة للأزمة الأوكرانية بأنها “بوق للبروباغندا الروسية”، معتبرا أن “تغطية القناة تُحرف ما يجري من أحداث في أوكرانيا”.

وهو ما علق عليه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بالقول إنها تصريحات غير لائقة وغير حضارية، مؤكدا على أن القناة نجحت في الحصول على نسب مشاهدة كبيرة في الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية.

ويقول خبراء إن ما قاله ليس مجرد هفوة، بل ينمّ عن شعور ضمني بتراجع السطوة الإعلامية الأميركية. إذ لم يعد خافياً أنّ وسائل إعلام روسيّة تحظى بشعبيّة واسعة، وتشكّل وسيلة بروباغندا مضادة للدعاية الأميركيّة.

قناة روسيا اليوم تقف عاجزة عن الدفاع عن نفسها بوجه اتهامات الانحياز وقربها من الموقف الروسي الرسمي فالمؤسسة ترفض منذ فترة منح مقابلات لإعلاميين أوروبيين

وفي العام 2011 أيضا لمحت وزيرة الخارجية آنذاك هيلاري كلينتون إلى عمل قناة روسيا اليوم فقالت إن “الولايات المتحدة في حرب إعلامية، وهي في طريقها إلى خسارة هذه الحرب”.

الاهتمام يأتي استجابة لنجاحات لافتة لهذه القناة، التي تصل اليوم إلى 700 مليون مشاهد، وتغطياتها هي الأكثر مشاهدة على الإنترنت، ولغات بثّها، الإنكليزية والعربية والفرنسية والألمانية والأسبانية.

كما تم ترشيح قناة روسيا اليوم الانكليزية ثلاث مرات إلى نهائي المسابقة الدولية لجائزة إيمي الرفيعة في فئة “الأخبار”، فضلا عن دخول القناة الناطقة باللغة العربية مؤخرا في قائمة القنوات الثلاث الرائدة الأولى من حيث العدد اليومي للمشاهدين في 6 بلدان عربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وأصبحت قناة روسيا اليوم نافذة على الموقف الرسمي للحكومة الروسية التي تملك القناة وتحدّد خطّها المهني أيضاً. فمنذ أحداث أوكرانيا، وبعدها سقوط الطائرة الماليزية، أصبح هناك اهتمام مُتزايد بما تبثّه القناة الروسية التي وُلدت رداً على هيمنة أميركية وإنكليزية على فضاء قنوات الأخبار المتخصصة. إلا أنها تقف عاجزة عن الدفاع عن نفسها بوجه اتهامات الانحياز وقربها من الموقف الروسي الرسمي، فالمؤسسة ترفض منذ فترة منح مقابلات لإعلاميين أوروبيين، ولم تصدر ردود رسمية على اتهامات عاملين سابقين فيها، بأن مطبخها التحريري يُدار من «الكرملين».

وتُوفر «روسيا اليوم»، زاوية، مهمة أحياناً، لكن تغيب عنها التقاليد العريقة التي تميز قنوات مثل هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أو (سي أن أن)، كما أن المؤسسة الروسية لا تسمح لرياح النقد بأن تمر بها، وتُوصد أبوابها أمام أي مُكاشفة أو تحليل لأدائها.

18