الإعلام واقع مزيف في مقابل الواقع

الجمعة 2014/08/22

أليس أمرا يدعو للاستغراب -بقدر ما يدعو للألم والأسف- عندما نجد فَرحا خفيا -ليس من السهل إخفاؤه ويكشف عن حقيقته- عبر هذا الكم الكبير من الأخبار الكاذبة والمزيفة التي باتت تروّج عن الموصل بعد سقوطها تحت سلطة تنظيم “داعش” الإرهابي؟

هو فرحٌ بما جرى ويجري لأهلها من مصائب، فما عاد هنالك من يوم واحد يمر علينا من دون أن نقرأ في بعض الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) الكثير من التعليقات والأخبار الكاذبة، لتتحول فجأة، صورة مقاتل داعشي وهو يقف إلى جانب طفلة صغيرة بعد أن أكملت دورة لحفظ القرآن في مدينة سورية يسيطر عليها التنظيم، إلى حفل زواج لهذا الداعشي من الطفلة المسيحية الموصلية!

وتتحول صورة مشهد تمثيلي قام به مجموعة من النشطاء المصريين تابعين للإخوان المسلمين في مدينة الاسكندرية، عندما وضعوا مجموعة من زميلاتهم في الحزب داخل قفص حديدي، فوق إحدى السيارات للسخرية من السلطة المصرية التي كانت قد اعتقلت عددا من النساء الإخوانيات، إلى موكب لبيع النساء الإيزيديات في شوارع الموصل!

وهكذا يمضي على قدم وساق، مسلسل التزييف وتضليل الرأي العام قويا وسريعا، وعادة ما تكون وراءه أسباب ودوافع وجهات سياسية تجند لها الأموال والأشخاص الذين يتولون إدارتها والاستمرار بها.

هنا في مثل هذه الحالة المتعلقة بمدينة الموصل، أجد أن الأسباب لا تخرج عن إطار الصراع السياسي/ الطائفي، الذي تقف خلفه أحزاب ممسكة بالسلطة، بعد أن أثبتت عجزها وفشلها لأكثر من ثمانية أعوام -طيلة فترة حكم نوري المالكي- في إدارة دفة البلاد، بل ارتكبت أخطاء وخطايا كبيرة ستخضعها، اليوم أو غداً، للمساءلة أمام المجتمع الدولي.

الأحزاب الشيعية الحاكمة بقيادة حزب الدعوة، لم تتردد في استعمال أسوأ الأساليب لتسقط خصومها من الطائفة الاخرى، أولها وأبسطها: أن تصدر بحقهم مذكرة اعتقال وفق المادة 4 إرهاب، خاصة أولئك الساسة الذين عادة ما يصبح لديهم قاعدة وجمهور كبير يصغي لهم ويثق بهم. وقد جندت لأجل بناء هذا المناخ المسموم بالتضليل، عديد الأشخاص والمواقع الإلكترونية، مهمتهم الرئيسية، خلق هذا العالم المزيف حتى وصل الأمر في قضية الموصل إلى درجة لم يعد فيها الاهتمام مُنصبَّا على الجرائم الحقيقية التي ترتكبها “داعش” ضد أهلها، وباتوا بين مطرقة “داعش” بكل همجيتها، وسندان أكاذيب السلطة ومهرجيها.

ومن أبسط التهم التي اعتاد أن يروجها هذا الإعلام الأصفر عن سكان الموصل تواطؤهم مع “داعش” وتسهيل أمر دخولها، وهي فرية تهدف إلى إبعاد مسؤولية ما حدث عن القوات الأمنية والعسكرية التي كان قوامها أربع فرق عسكرية بكل معداتها الثقيلة و30 ألف شرطي. بينما الواقع على الأرض يؤكد أن القوات الحكومية تتحمل كامل المسؤولية في دخول “داعش” إلى المدينة لأنها لم تطلق رصاصة واحدة ضدها، بل انسحبت فجأة من المدينة بغير سابق إنذار بعد أن تلقت أوامر من قيادتها العليا في بغداد، ومن المالكي شخصيا باعتباره القائد العام للقوات المسلحة.

مسلسل الكذب والتزييف في نقل الوقائع والأحداث سيستمر ولن يتوقف طالما استمرت عوامل الصراع الدموي قائمة بين الأحزاب الشيعية الحاكمة، وبقية القوى السياسية السنية، سواء التي كانت مشاركة في الحكم أو التي كانت خارجه.

وطالما هنالك أموال طائلة مخصصة لهذه الحرب الإعلامية الوسخة، سيكون هنالك العديد من الأقلام المعروفة، وغير المعروفة، إضافة إلى المواقع والصحف، لديهم كامل الاستعداد للمشاركة فيها، وسيسقط في مستنقعها كثير من الأشخاص العاديين الذين لا يدركون خفايا هذه اللعبة، وليس لديهم القدرة على التمييز والفرز بين الخبر الصحيح والخبر المفبرك، وهؤلاء بدورهم، ودون قصد، سيعيدون ترديد ونشر ما قرأوا من أكاذيب على أنها حقائق، وهكذا يتم صنع واقع مزيف جديد، أشد قذارة ووساخة من الواقع الحقيقي، يبدو فيه الواقع الحقيقي إزاء الواقع المزيف أكثر قبولا وإنسانية.


كاتب عراقي

9