الإعلام والجيش الليبي: محام فاشل لقضية عادلة

المسيطرون على المشهد بعد 2011 اعتمدوا على الإعلام في شيطنة كل من يختلف معهم في الرأي والموقف، وهو ما ساعد الجماعات المتشددة على قيادة حملات التصفية والاعتقال والتهجير.
الأربعاء 2019/09/04
الإعلام العسكري أو الحربي ليس في مستوى أداء القيادة العامة للجيش الليبي

يجد الجيش الليبي نفسه أمام فشل إعلامي واضح، تماما مثل صاحب قضية عادلة يعتمد على محام فاشل. فالقيادة العامة للقوات المسلحة الليبية التي أطلقت عملية الكرامة منذ ربيع 2014، لتقود حربا واسعة النطاق ضد الجماعات الإرهابية والميليشيات الخارجة عن القانون ولتعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، لم تفلح في تشكيل مشروع إعلامي يواكب تطورات المعركة ويقرّب أهدافها التكتيكية والإستراتيجية من أذهان العامّة سواء في ليبيا أو في خارجها. وهو ما أثّر سلبا في بعض مناحي الصراع، واستغله الطرف المقابل لبلورة رأي عام معاد لعملية الكرامة، خاصة في بعض المناطق التي لا تزال خاضعة لشعارات فبراير 2011، ولمشروع الإسلام السياسي، وكذلك لبعض النزعات الجهوية والمناطقية والقبلية والفئوية غير الواعية بالتحديات الكبرى التي فرضت على الجيش إعلان الحرب من أجل تحرير الوطن وتطهيره من المتآمرين عليه والعابثين بمصالحه العليا وبسلامة أراضيه ووحدة مجتمعه وحماية مقدراته.

قد يكون الفشل الإعلامي في شرق ليبيا امتدادا لما كان عليه الوضع قبل وأثناء 2011، حيث لم تفلح إمكانيات البلاد في تكريس مشروع حقيقي في هذا المجال، بسبب غياب الرؤية المتعلقة بدور الإعلام في بلورة وتشكيل الرأي العام أو توجيهه.

ومع أحداث 17 فبراير 2011، أدرك النظام السابق أن أخطر سلاح تم استعماله ضده، هو الإعلام الذي قام بدور مهم في تهيئة الظروف للتدخل الخارجي ولدعم المتمردين بمن فيهم قادة الجماعات الإرهابية الذين تم تقديمهم على أنهم مدافعون عن الحرية، ضمن ما كان يجري التسويق له من ثورات الربيع العربي، وليس خافيا أن زعماء تلك المرحلة بمن فيهم مصطفى عبدالجليل ومحمود جبريل، يعترفون اليوم بأن أغلب ما تم ترويجه عبر وسائل الإعلام لم يكن صحيحا، وأنه كان جزءا من معركة الدعاية ضد النظام الذي كان عاجزا عن الرد لفقدانه الأدوات التي تمكنه من ذلك.

بعد 2011، بات واضحا أن أغلب وسائل الإعلام العربية والأجنبية كانت تصب في خدمة النخبة السياسية الجديدة في ليبيا على أنها نخبة التبشير بالحرية، وكان أغلبها من رموز الإسلام السياسي مثل عبدالحكيم بالحاج الذي تم تقديمه على أنه محرّر طرابلس، وجماعة الإخوان التي تم تضخيم حضورها ضمن مشروع إقليمي ودولي كان يهدف إلى الدفع بالإسلاميين إلى سدة الحكم، ومجالس الثوار التي رغم سيطرة المتشددين عليها، فإنها تحولت إعلاميا إلى عناوين لمرحلة التحرير والقضاء على بقايا النظام السابق.

كان واضحا أن المسيطرين على المشهد بعد 2011 اعتمدوا على الإعلام بشكل كبير في شيطنة كل من يختلف معهم في الرأي والموقف، وهو ما ساعد الجماعات المتشددة على قيادة حملات التصفية والاعتقال والتهجير القسري في كافة أرجاء البلاد.

وقد يكون الهجوم الإرهابي الذي نفذته ميليشيات مصراتة والمتحالفون معها في أكتوبر 2012 على مدينة بني وليد تنفيذا للقرار رقم 7 الصادر عن المؤتمر الوطني العام الإخواني، من أبرز معالم تصنيع الإعلام التدميري، حيث تم تبرير الهجوم بأن الغاية منه هو القبض على أزلام النظام السابق وفي مقدمتهم خميس القذافي الذي كان قتل قبل ذلك الهجوم بأكثر من عام.

وقد قامت وسائل إعلام موالية لتلك الميليشيات وفي مقدمتها “الجزيرة” القطرية بترويج تلك المعطيات المفبركة على أنها عدوان أدى إلى مقتل وإصابة المئات من المدنيين وخاصة من الأطفال وتهجير الآلاف من السكان المحليين وتدمير الكثير من المساكن على رؤوس ساكنيها.

سعى الإعلام الإخواني، والإعلام التجاري المنجر وراءه بسبب عدم إدراكه لطبيعة ما يدور في ليبيا، إلى خدمة أجندات الطارئين على الحكم في البلاد، بالتغطية على الجرائم التي ترتكب يوميا في حق العسكريين والأمنيين والحقوقيين والإعلاميين والمثقفين والمعتقلين في سجون الميليشيات والدعاة الرافضين لمشروع الإسلام السياسي، وفي حق المدن والقرى والقبائل الموالية للنظام السابق.

وتم تسجيل المئات من الاغتيالات ما دفع بالجنرال خليفة حفتر إلى إطلاق عملية الكرامة في منتصف مايو 2014 ولكن بغطاء إعلامي محلي بسيط، وهو ما واجهته آليات الإخوان عبر أبواقها الإعلامية بحرب ضروس مهدت لعملية فجر ليبيا التي انقلبت على نتائج انتخابات البرلمان في يونيو من العام ذاته.

ورغم أن فجر ليبيا كان مشروعا انقلابيا وإرهابيا وتدميريا إلا أنه وجد من يدافع عنه بعد أن جُيّرت له وسائل إعلام في الداخل والخارج، لإبرازه على أنه معركة من أجل جماعة ثوابت ثورة فبراير، واستطاع رجال أعمال من مصراتة والزاوية وطرابلس من المستفيدين من القروض المصرفية الضخمة في عهد القذافي وأمراء حرب استولوا على أموال المصارف الحكومية في فوضى 2011، شراء ضمائر المشرفين والعاملين في قنوات تلفزيونية وإذاعية وصحف ومجلات ومواقع إلكترونية ومنصات تواصل اجتماعي وتشكيل جيوش إلكترونية تعمل من الداخل، ومن دول مثل تونس وتركيا لتزييف الوعي العام الداخلي والخارجي بحقيقة ما يدور في البلاد، وتشويه سمعة القوى الوطنية، مقابل تلميع صورة الإرهابيين والميليشيات الخارجة عن القانون. كما تم استقطاب العشرات من المحللين السياسيين الذين كانوا يحللون الأوضاع على شاشات التلفزيون وفق ما كان يملى عليها من مراكز النفوذ الإخواني.

لم يتوقف الجيش الوطني الليبي منذ ربيع 2014 عن عملية تحرير ليبيا، وقدم أرواح الآلاف من أبنائه في معارك بنغازي ودرنة والهلال النفطي وصولا إلى طرابلس وغريان، لكن لم يواكب تلك التضحيات إعلام قادر على تحصين المنجز الميداني وتهيئة الرأي العام لما بعده، بينما اتسعت دائرة أبواق الطرف المقابل من خلال منظومة الدعاية القطرية التركية الإخوانية المؤثرة، وكذلك من خلال القنوات الليبية المتعددة المرتبطة بالمشروع العقائدي للإسلام السياسي مثل “بانوراما” و”ليبيا الأحرار” و”التناصح” و”النبأ”.

كما تم تشكيل غرف عمليات لفبركة الأخبار والفيديوهات وترويج المعلومات الخاطئة ضد الجيش والقوى الوطنية، وضد كل الأطراف الإقليمية والدولية الداعمة لمشروع الكرامة أو المناوئة للإسلام السياسي.

وليس خافيا أن المال لعب دورا كبيرا في تشكيل مشهد إعلامي مضلّل، كما أن الحسابات الخاطئة لبعض رموز النظام السابق وخاصة من المقيمين في القاهرة، جعلت من بعض أدواتهم الإعلامية والاتصالية والتواصلية أبواقا لخدمة الإخوان والميليشيات على حساب الجيش الوطني، وذلك عبر التشكيك غير المبرر في نوايا وأهداف القيادة العامة، دون تقديم البديل الفعلي لإنقاذ البلاد المسلوبة والمنهوبة والمغلوبة على أمرها.

مقابل ذلك عجزت القيادة العامة والحكومة المؤقتة والبرلمان عن تشكيل مشهد إعلامي متطور وثري داعم للجيش، باستثناء قناة “الحدث” أو “ليبيا” أو “ليبيا المستقبل”، وهي قنوات تجتهد بقدر الإمكانيات المتاحة لها، مع قناتي “ليبيا 210″ و”ليبيا روحها الوطن” الخاصتين اللتين تبثان من الأردن، وبعض المواقع الإلكترونية مثل “العنوان” وموقع “المرصد” المتخصص في مواجهة الإرهاب.

المشكلة تكمن في غياب الرؤية الإعلامية الحقيقية، حيث أن التعاطف مع عملية الكرامة قد يكون شعورا وطنيا نبيلا، ولكنه لا يكفي لتحقيق أهدافه، بما يعني أن المطلوب هو التكيّف مع مرحلة بلورة الرأي العام عبر برمجة العقل المتلقي على سرعة وجدية التطورات الميدانية لحظة بلحظة، وتكوين الحالة الوجدانية العامة المتشبعة بالقضية العادلة للجيش، مع خطاب عقلاني قادر على تهيئة ذهن المتلقي لفهم متطلبات المرحلة القادمة، وترسيخ الوعي العميق بخطر المشاريع المقابلة، وتوفير التغطية الآنية للمستجدات عبر فرق عمل متمكنة، وجعل المعركة جزءا من حياة كل مواطن ليبي لقطع الطريق على الخطاب المعادي.

وكل هذا لن يتحقق إلا بالتعاطي الجدي لمؤسسات الدولة الداعمة للجيش مع دورها الحقيقي، وفتح باب التواصل مع وسائل الإعلام المختلفة، والتخلي عن ثقافة الكسل والإهمال أو الثرثرة المجانية، والاشتغال على الجانب النفسي والاجتماعي بأكثر فاعلية سواء لطمأنة المناصرين أو لإرباك العدو، وتجاوز الخلافات الطفولية على منابر الإعلام، وعدم الارتباط بالروتين الزماني والمكاني في مخاطبة الرأي العام، وتجهيز مراكز عمل معلومة تعمل على مدار الساعة للرد على أسئلة الإعلاميين في الداخل الخارج، واعتبار المعركة ذات جوانب عدة ميدانية وإعلامية وثقافية وحضارية وقيمية أخلاقية ونفسية واجتماعية، بحيث تتداخل فيها الأدوار والأهداف والمصالح والحسابات والرؤى.

إن الإعلام العسكري أو الحربي ليس في مستوى أداء القيادة العامة للجيش الليبي ولا أداء العسكريين في محاور القتال، وهو عنصر جذب إلى الوراء، وكان يمكن أن يكون له دور أهم وأبرز وأشمل وأقوى وأكثر فاعلية في حسم المعارك، رغم أن القوات المسلحة على حق وتناضل من أجل قضية عادلة، في حين أن الإعلام الموجه لفائدة الميليشيات الإخوانية والجماعات الإرهابية وغطائهما السياسي المجلس الرئاسي وحكومته غير الموفقة، ورغم أنه على باطل إلا أنه أكثر فاعلية، ربما لأنه يدافع عن الجدار الأخير الذي يتكئ عليه، وربما لأنه ينطلق من منطلق عقائدي أو لأنه يجد دعما ماليا أكبر، وربما لأن العاملين فيه يعتمدون على تجارب أخرى وكفاءات متدربة على العمل الإعلامي في زمن الحرب، وربما كذلك لأن المشرفين على إدارته يبدون أكثر ذكاء في التعامل مع هذا السلاح على الصعيدين الداخلي والخارجي.

9