الإعلام وتناقضات استطلاعات الرأي

الأربعاء 2016/08/03

تلعب وسائل الإعلام دورا مؤثرا في الترويج لنتائج استطلاعات الرأي وأحيانا حتى دون التمحيص في مصداقيتها والوثوق من مهنيتها ونزاهتها ولا من كونها قد أجريت فعلا، وهي أمور قد تؤدي إلى التأثير السلبي على الرأي العام.

إن الرأي العام ليس هو مجموع الآراء الفردية لجماعة معينة تجمع بينها مصالح مشتركة وعلاقات ثابتة، إنه ناتج التفاعل الواعي بين آراء خاصة قد تختلف أو تتطابق أو تقترب من بعضها البعض في قضايا عامة، حتى نصل إلى رأي يمثل الأغلبية، وهو الذي يمثل الرأي العام السائد وتحاول استطلاعات الرأي أن تشخص الاتجاه الأكثر انتشارا بين المعنيين بالاستطلاع ليهتدي به البعض لاتخاذ قراراتهم السياسية أو الاقتصادية. وبالرغم من أن استطلاعات الرأي تعتمد على عينات عشوائية وأجوبة هي ابنة لحظتها -قابلة للتغير بتغير قناعات الأفراد- لكن البعض يعتبرها حقائق شاملة، وينشرها بحماس إذا كانت تتجاوب مع أهدافه. وتجرى بعض استطلاعات الرأي بتكليف من جهة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وبعضها تجرى من قبل مؤسسات متخصصة باستطلاعات الرأي لصالح وسائل الإعلام.

ويختلف القائمون باستطلاعات الرأي في تقييم أساليب بعضهم البعض ويطعنون في أساليب غيرهم للوصول إلى نتائج مقبولة ويعتبرون أسلوبهم هو الأفضل.

وقبل فترة حضرت في القاهرة مؤتمرا لخبراء استطلاع الرأي وقد اختلفوا في ما بينهم حول مصداقية الأساليب ولكل منهم حججه؛ فاعتبر بعضهم أن استطلاع الرأي المباشر (وجها لوجه) هو الأفضل بينما اعتبره آخرون غير موثوق لأن الشخص المشارك ربما سيجيب عن السؤال بأول ما يخطر في باله ليتخلص من السائل أو ليوحي بغير ما يضمر.

واعتبر آخرون أن المشاركة عبر الإنترنت هي ربما أكثر صدقا لأن المشارك قد أجاب بعد تفكير وسبق إصرار، ولكن من عيوب هذه الطريقة أن المشاركين فيها هم فقط ممن يملكون خطوط الإنترنت.

وتحمس آخرون لطريقة الاستمارة المكتوبة، وطعن البعض في هذه الطريقة أيضا وشككوا في مصداقيتها، ولكن الحاضرين اتفقوا على أن لكل وسيلة إيجابياتها وسلبياتها، وأن استطلاعات الرأي في كل الحالات هي مجرد إشارات لها دلالات عامة غير قاطعة. كما أن استطلاع الرأي يختلف عن عمليات الإحصاء التي تعتمد على حسابات عددية.

ومن المعروف أن الأميركيين هم الأكثر اهتماما باستطلاعات الرأي لاتخاذ القرارات أو تشخيص الحالات. وعندما جاء الأميركيون إلى العراق احتاجوا إلى استطلاعات يلوذون بها لاتخاذ بعض قراراتهم التنفيذية على أساس أنها جاءت بناء على توجهات الرأي العام فنشأت عندنا مكاتب ومجموعات لاستطلاع الرأي، بناء على طلب هذه الجهة الأميركية أو تلك، وكانوا يدفعون بسخاء لهذا النشاط الذي انخرط فيه عدد من الهواة، وتأسست فرق ومكاتب لهذا الغرض، وكان أغلب من يقومون بها من المبتدئين في هذا النشاط سرعان ما اعتبروا أنفسهم خبراء فيه ينشرون نتائج استطلاعاتهم دون دليل على مصداقيتهم وكانت وسائل الإعلام تشجعهم بنشر نتائج حتى عمليات استطلاع رأي مزعومة تمت في جلسة اجتماعية بين بضعة أفراد لتظهر النتائج أن 63.4 بالمئة من العراقيين يؤمنون بكذا.

إن القياس المسبق لتوجهات الرأي العام والوقوف على مؤشراته مؤثر في توجيه صانعي القرار في عالمنا المعاصر في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ويمثل استطلاع الرأي فكرة الاسترشاد بآراء العامة أو المختصين للوصول في نهاية المطاف إلى أفضل الخيارات، بعد التحقق من عادات وأولويات الأفراد والجماعات.

إلا أن لاستطلاعات الرأي تأثيرا مغايرا أحيانا على الناس، خاصة في التأثير على الأشخاص الذين لم يتخذوا قرارهم بعد -مثلا في الانتخابات أو التصويت- وعلى سبيل المثال أظهر استطلاع للرأي نُظم لحساب صحيفة الديلي ميل قبل التصويت في بريطانيا أن معظم البريطانيين يفضلون البقاء في الاتحاد الأوروبي وليس الخروج منه، ولكن نتائج الاستفتاء أظهرت أن معظم البريطانيين، يفضلون الخروج من الاتحاد. واتضح في ما بعد أن بعض من قالوا إنهم سيصوتون لصالح البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، وقت الاستطلاع غيروا رأيهم وقت الاستفتاء بسبب تأثيرات مختلفة.

لهذا تمنع بعض الدول حول العالم نشر نتائج استطلاعات الرأي في فترة قريبة من موعد الانتخابات خوفا من تأثيرها على نتائج التصويت للمرشحين (هنالك دول عديدة ومنها الهند تمنع نشر نتائج استطلاع الرأي في الـ48 ساعة الأخيرة قبل التصويت).

مخرج عراقي

18