الإعلام يفتقد الاستراتيجية ليكون عنصر الحل في مكافحة الإرهاب

تحتاج الاستراتيجية العربية الإعلامية إلى تصويب في الكثير من بنودها لتلائم المتغيرات السياسية والتطورات الإعلامية الرقمية، التي أصبحت سيفا ذا حدين بسبب استغلال الجماعات الإرهابية لها وصعوبة السيطرة عليها.
الجمعة 2015/08/07
المعالجة الإعلامية الحالية لا تستجيب لتحديات الواقع الإعلامي والاتصالي في الوطن العربي والعالم

تونس - أحدثت الاستراتيجية العربية الإعلامية لمكافحة الإرهاب تحولا نوعيا في التعامل مع الإعلام؛ واعتباره قطاعا استراتيجيّا يمكن أن يسهم في نجاح الخطة الاستراتيجية الشاملة لمكافحة الإرهاب في العالم العربي، من خلال النظر إليه كعنصر حلّ بدل أن يُنظر إليه كما كان الحال على أنه دائما مشكلا.

ويقدم الباحث والخبير الإعلامي التونسي جمال زرن، قراءة تقييمية نقدية للاستراتيجية الإعلامية العربية لمكافحة الإرهاب؛ التي ناقشها مجلس وزراء الإعلام في ختام أعمال دورته الـ46 يوم 21 مايو 2015، وقرَّر تكليف الأمانة العامة للجامعة العربية بالتعاون والتنسيق مع جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية بمتابعة تنفيذها على مدار خمسة أعوام تبدأ من عام 2016.

يقول الباحث في دراسته، إن الاستراتيجية العربية الإعلامية لمكافحة الإرهاب، تبدو في الأصل خطوة إيجابية على طريق إرساء قواعد العمل العربي المشترك؛ وذلك من منطلق أن ظاهرة الإرهاب ليست مشكلة بلد عربي؛ بل هي مشكلة أمن قومي عربي.

ويلاحظ ضمن مقاربة شكلية تباعد التواريخ، وهو ما لا ينسجم مع قواعد بناء الاستراتيجيات؛ فالاستراتيجية العربية لمكافحة الإرهاب تعود إلى سنة 1998، والاستراتيجية العربية الإعلامية لمكافحة الإرهاب سطرت سنة 2013، وأقرت سنة 2015 وستطبق سنة 2016.

بين كل هذه التواريخ يلاحظ على المستوى الجيوسياسي أن أنظمة عربية تغيرت كليّا (ليبيا والعراق…)، ودولا نشأت من جديد (دولة جنوب السودان)، وأخرى تنتظر.. وتكتلات سياسية تغيَّرت (الدور التركي والإيراني في المنطقة..). وعلى المستوى الإعلامي، انقلب المشهد الإعلامي والاتصالي كليّا من إعلام أرضي إلى إعلام فضائي، ومن اتصال هرمي إلى اتصال شبكي، وقبل كل هذا هناك أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، والحرب على العراق 2003، ومشروع إصلاح الشرق الأوسط 2004، وحراك الربيع العربي منذ 2011؛ الذي ما زال يهزُّ المنطقة بين إصلاح وثورة وتثوير.

ما يكتب ويُسوّق عن الإرهاب إعلاميّا خاصة في الإنترنت يفوق بشكل كبير ما يبثه الإرهابيون أنفسهم من رسائل إعلامية

أمّا على المستوى الاجتماعي والثقافي فتعيش المنطقة العربية حالة ركود اقتصادي، وهو ما أنتج جيوشا من العاطلين من أصحاب الشهادات العليا، ورغبة في الهجرة إلى الغرب بحثا عن الأمن ولقمة العيش ومزيد من الحريات.

إن استراتيجية عربية إعلامية لمكافحة الإرهاب لا تأخذ بعين الاعتبار كل هذه المتغيرات؛ التي شهدها النظام العربي والدولي في العشريَّتين المنقضيتين، يصعب التكهن بمدى قدرتها على تحقيق أهدافها.

يغلب اليوم على تحليل مخرجات الإعلام العربي طابع عاطفيّ سطحيّ متشنج، لا يرتقي إلى معايير البحث العلمي؛ بل هو في الغالب استجابة حينية لرهان سياسي أو أمني، سرعان ما تتراجع قيمته مع تراجع اهتمام رجل الأمن أو السياسة به.

إن الفقر البحثي والمعرفي الذي تعاني منه الدراسات الإعلامية في العالم العربي؛ الذي يُزكِّيه أيضا تجاهل أهل القرار لهذا التخصص لا يمكنه أن يساعد على تشخيص علمي لظاهرة الإرهاب، بوصفه المنطلق لبناء استراتيجية إعلامية عربية لمكافحة الإرهاب.

كما أن ما يميز الاستراتيجيات العربية وقوعها أسيرة مقولة العمل العربي المشترك الذي يشوبه العديد من الهنات.

ويعتبر أستاذ الإعلام، أن اندماج الإعلام والاتصال يفرض تبني استراتيجية إعلامية-اتصالية عربية لمكافحة الإرهاب، وليس فقط استراتيجية إعلامية؛ فالاستراتيجية الحالية لا تستجيب لتحديات الواقع الإعلامي والاتصالي في الوطن العربي والعالم؛ الذي يتميز بانفجار غير سابق لشبكات التواصل ومنسوب عال من الحريات.

ويبدو أن رجع الصدى الإعلامي للفكر الإرهابي في وسائل الإعلام، خاصة شبكة الإنترنت اليوم، هو أقوى حضورا مما تبثه المجموعات الإرهابية ذاتها؛ ذلك أن ما يكتب ويُسوّق عن الإرهاب والعمليات الإرهابية إعلاميّا يفوق بشكل كبير ما يبثه الإرهابيون أنفسهم من رسائل إعلامية.

وبعد سنوات من الخطاب التمجيدي بمزايا الإنترنت، وبالتحديد فيما يتعلق بدوره في الإسهام في رفع تحدي التنمية في الدول النامية، وإمكانية شبكة الإنترنت في أن يكون لها كبير الأثر في تقريب الثقافات، أصبح الجدل يأخذ بُعدا تصعيديّا تجاه الإنترنت، لتُلصق بها صفات الإرهاب والقرصنة، والهوة الرقمية، وأصبحت شرطة الإنترنت لها اليوم سلطة أكبر من سلطة البوليس السياسي.

الفقر البحثي والمعرفي الذي تعاني منه الدراسات الإعلامية في العالم العربي لا يمكنه أن يساعد على تشخيص علمي لظاهرة الإرهاب

تحول كل ذلك الإرث الفكري السريع الذي حققته شبكة الإنترنت ومعها تكنولوجيا الاتصال الحديثة إلى إرث هش وفي حاجة إلى إعادة القراءة، فأصبحت الإنترنت عند بعضهم سببا في تهميش اللغات المحلية، وعاملا في عرقلة التجارة الوطنية في علاقتها بالعولمة، ومرتعا لتخريج الإرهابيين.

يقول جمال زرن “إن الإرهاب لا وطن له والإنترنت أيضا لا وطن لها”. هكذا حدث الزواج بين الطرفين فاتَّحدا في الهجرة: هجرة من يوصفون بالإرهابيين؛ فهم في أغلب الحالات بلا وطن، وهجرة من يجوبون الفضاء الافتراضي دون جواز سفر؛ فهم أيضا بلا وطن؛ حتى إن كانوا على المستوى الواقعي داخل أوطانهم.

يلتقي مهاجرو الإنترنت بمهاجري ما يُطلق عليه “الجهاد” ليشكِّلوا ما يصطلح عليه بعضهم بالإرهاب الرقمي أو الافتراضي، أو الجهاد الإلكتروني، وتعتبر شبكة الإنترنت في أدبيات الجماعات الإرهابية وسيلة مساندة ومساعدة لوجستية؛ كما أن الاحتضان الحميمي للجماعات الإرهابية لشبكة الإنترنت يعتبر استجابة تكتيكية تحوَّلت إلى اختيار استراتيجي لفكّ حصار وحرب عربية ودولية ضدها على الأرض؛ وذلك منذ إعلان الحرب الشاملة والدولية على الإرهاب بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001؛ فهي لم تعد حسب تعبير بيير بورديو تكتفي بالقول: إن الله معها، بل تسعى أيضا إلى أن يكون الرأي العام معها.

ويرى الباحث أن الفكر الإرهابي يتغذّى من شعارات جوفاء كـ”الطاغوت” و”الكفار”؛ فلابدّ من قطع الطريق أمامه باعتماد مرجعيات جديدة تُفقد الفكر الإرهابي أي أمل في أن يجد حاضنة فكرية أولا ثم اجتماعية ثانيا كما حصل في العراق وسوريا وغيرهما من الدول الاسلامية.

ولاحظ أن هذه الاستراتيجية في حاجة إلى تطوير آليات العمل العربي في كل المجالات التي يشوبها الكثير من الشلل والبيروقراطية، سواء كان ذلك في المجال السياسي أو الإعلامي أو الأمني.

18