الإعلانات الدعائية تهدد نشأة الطفل وتعصف بسلوكه

دقت دراسة مصرية حديثة ناقوس الخطر للأطفال العرب الذين باتوا تحت سيطرة الإعلانات الدعائية، خاصة الغذائية. وأثرت تلك الإعلانات المستهدفة للصغار على طريقة تكوين عقولهم وفهمهم للواقع وتغيير سلوكياتهم.
الاثنين 2018/09/17
الإعلانات تعزز الشراهة الاستهلاكية

القاهرة – شددت دراسة أعدها مركز البحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة، على تأثير الإعلانات الدعائية على الأطفال، وعلى ضرورة تكاتف الأسر والجهات الرقابية والتعليمية لإنقاذ الصغار من تأثير الإعلانات التي تستهدف سلوكهم وتكوين شخصياتهم.

وفي عالم يتسيّده السوق الحر، تبين أن الأطفال، من 4 إلى 12 سنة، أكثر الفئات عرضة لخطر خداع الإعلانات البراقة والجذابة لمنتجات بعينها، وقد تفضي بتأثير قوي على سلوك الصغار ونظرتهم عند البلوغ للحياة.

ومع انتشار الإعلانات في مختلف الوسائل تقريباً، فإن شاشات التلفزيون لها نصيب الأسد في التأثير على عقول الأطفال، حيث يقضي هؤلاء في المتوسط نحو 4 ساعات يومياً في مشاهدته، ما يعني أنهم يتعرضون لذلك الزحف الدعائي يوميا.

وتزداد خطورة الإعلانات مع افتقاد الأطفال القدرة على التحليل والنقد إلى أن يصلوا إلى مرحلة المراهقة، وعليه فإن الرسائل التسويقية التي تستهدفهم من وراء الإعلانات ترى فيهم ضحية سهلة المنال، فهم لا يتشككون في ما إذا كان ما يرونه في تلك الإعلانات حقائق أم مبالغات، كما يحدث أحياناً أن يحتفظ الأطفال بتلك الرسائل حتى بعد أن يبلغوا سن النضج.

ولتعميق التأثير على الأطفال، تستخدم بعض الشركات في إعلاناتها الكثير من نجوم الأفلام ولاعبي كرة القدم، ما يساعد على تدعيم الرسائل الدعائية المتضمنة في الإعلانات عند الأطفال، لأن تلك الاستراتيجيات الدعائية تقنعهم بأن تناول الطعام في ذلك المطعم يجعل الطفل يبدو مثل ذلك النجم المحبوب.وتأتي على رأس الإعلانات الأكثر تأثيرا، إعلانات المنتجات الغذائية والمطاعم. فوفقاً لدراسة أجراها عدد من الباحثين في كلية التربية بجامعة القاهرة، فإن الأطفال يتعرضون في المتوسط لحوالي 10 إعلانات من هذا النوع يومياً. وأظهرت أن تعرّض الأطفال الصغار- دون الـ6 أعوام- لإعلان أحد المنتجات الجديدة لمدة تزيد عن 30 ثانية يتسبب في تغيير تفضيلاتهم ليصبحوا من المهووسين بهذا المنتج.

وتكمن الفكرة في أن الإعلانات تأتي أحيانا بطرق غير مباشرة، جيث يعتمد المُعلنين على إقحام منتجاتهم لتظهر في بعض الأفلام أو المسلسلات التي يشاهدها الأطفال.

وأحد أهم الأضرار الأخرى لإعلانات الأطعمة السريعة أو الجاهزة، مثل البيتزا والبرغر، وغيرها من الأطعمة الشهية المعروضة على الشاشات، متأتية من مشاهدة الأطفال لتلك الإعلانات حيث يرون فيها البالغين من أصحاب القوام الرياضية وهم يتناولون تلك الأطعمة. ونظراً لعدم وعي الأطفال بأن ما يُعرض من إعلان فهم يفترضون أن تلك الأطعمة لا ضرر في تناولها، بل قد تجعلك تبدو بهذا المظهر الصحي فعلا. لكن على النقيض بدت تلك الإعلانات مصدرا لانتشار أمراض السمنة والسكري والضغط.

اتجاه أكثر الفضائيات إلى تركيز الإعلانات على مخاطبة الأطفال، يرتبط بأن هذه الفئة لا تمتلك ثقافة الأولويات

وتعاني الفتيات بالأخص من مشكلات بسبب الصور التي يشاهدنها في التلفزيون وعلى أغلفة المجلات، لأن الرسائل المتضمنة تشي لهن بشكل غير مباشر أنّ عليهن أن يظهرن بمظهر معين ليُقبلن في المجتمع.

وبسبب رغبتهن في الظهور مثل هؤلاء النساء، تُصاب أكثر من 30 بالمئة من الفتيات العربيات باضطرابات الأكل مثل الشره المرضي أو فقدان الشهية.. وهي الأمراض التي تسبب الموت في بعض الحالات.

ويُضاف إلى ذلك مشكلة أخطر يتسبب فيها ذلك النوع من الإعلانات، وهي “سلعنة” النساء ذاتها أو بمعنى آخر تصبح السيدات في المجتمع كالسلع المادية. وتسفر تلك الإعلانات غير البريئة عن فهم خاطئ عند الأطفال بمختلف الأعمار في ما يخص قيمة السيدات بعد أن يظهرن في بعض المواد الإعلانية باعتبارهن مواد جنسية بهدف بيع منتج ما، وهو ما يتلاعب بأذهان الصغار ويتسبب في تشويه أفكارهم عن المرأة.

وتتمثل أهم العواقب في تعزيز الإعلانات للنزعة الاستهلاكية عند الأطفال، إذ تؤثر على عقولهم، ما يتسبب في شعورهم الدائم بالحاجة إلى امتلاك جميع المنتجات التي يشاهدون إعلاناتها، لأن كثافتها على التلفزيون وفي المجلات وعبر الإنترنت تتسبب في تعميق نهم الشراء والتملّك.

ولا يستطيع الآباء أحيانا التعامل مع المطالب المتزايدة لأطفالهم ونوبات الغضب التي تتلبسهم عند عدم تلبية حاجاتهم، لذا يميلون إلى الاستسلام لتلك المتطلبات غير المنطقية، ما ينتج عنه اعتياد الأطفال على نمط الحياة الظاهر في وسائل الإعلام.

ورغم أن الصورة تبدو قاتمة في مواجهة السيل القوي من الإعلانات وحماية الصغار، لكن وفقاً للخبراء الذين تناولوا تأثير الإعلان على الأطفال، يبدو الحل منقسما إلى جهتين، الأولى يتحمل مسؤوليتها الوالدان بإدراكهم مختلف الاستراتيجيات التي يستخدمها المعلنون، ومواجهتها دائما بتوفير البديل الصحي للمنتج المعلن وشرح فكرة الإعلانات للطفل والتأكيد على أنها غير حقيقية.

أما الشق الآخر فيقع على عاتق المنظومة التعليمية والمربين من خلال القيام بأنشطة لمحو الأمية الإعلامية، لكي يمكن مساعدة الأطفال على فهم المقصد الاستدراجي للإعلانات. كما يمكن أن يساعد بعض علماء النفس في هذا الأمر عن طريق تنظيم حملات توعوية عامة ليتمكن الآباء والمعلمون من فهم هذه القضايا على نحو أفضل.

وقال محمد المرسي، الخبير الإعلامي المصري، لـ”العرب”، إن اتجاه أكثر الفضائيات إلى تركيز الإعلانات على مخاطبة الأطفال، يرتبط بأن هذه الفئة لا تمتلك ثقافة الأولويات، ما يستثمره المعلنون، والمشكلة الأكبر أنهم لا يفرقون بين المستويات المعرفية والثقافية للأطفال قبل بث الإعلانات.

وأضاف أن الإعلانات الموجهة للصغار أصبحت أحد أهم مصادر دخل المؤسسات الإعلامية، لأنها مع الوقت تتحول إلى محرك أساسي لثقافة وأنماط فكر الأطفال وأسرهم، ويجعلهم تحت سيطرتها طوال الوقت، ما يزيد الضغوط الواقعة على الأسرة.

21