الإعلانات تدخل عصر الصناديق السوداء

تتحول شركتا غوغل وفيسبوك إلى مملكتي الإعلان الجديدتين وأمازون تنتظر. يعرف الرجال والنساء المسؤولون عن الإعلانات كيفية سرد القصص، لكن من غير الواضح كيف ستنتهي قصصهم.
الثلاثاء 2016/07/12
لملمة لوحة الإعلان وحشرها في شاشة صغيرة

لندن – الزوار الذين لم يخطر ببالهم هذا الأمر، من الذين جاؤوا إلى الريفييرا الفرنسية في يونيو الماضي، ربما شعروا بالدهشة لاكتشاف أن صناعة الإعلانات التي تجتمع هنا كل عام من أجل مهرجان كان ليونز، تواجه اضطرابات كبيرة.

الورد كان يتمايل، والموسيقى في حفلات الشواطئ كانت صاخبة، والمواهب من الدرجة الأولى على غرار تشانينغ تاتوم، وجوينيث بالترو، وويل سميث كانوا موجودين، ينشرون الحكمة على المسرح أمام الآلاف من المسؤولين التنفيذيين الذين جاؤوا من جميع أنحاء العالم للاحتفال بالابتكارات الإعلانية.

لكن بعيدا عن الحفلات والجوائز، وكالات الإعلان، ومشترو الإعلام، والشركات القابضة يستيقظون ببطء على مستقبل تم قلبه وأعيد تشكيله من قبل شركتين في مجال التكنولوجيا.

الجزء الأكبر من الإنفاق من قبل العلامات التجارية على الإعلانات الرقمية يذهب إلى غوغل وفيسبوك. الشركتان مجتمعتين كانتا تمثلان 75 في المئة من جميع الإنفاق على الإعلانات الجديدة على الإنترنت في عام 2015، وذلك وفقا لتقرير اتجاهات الإنترنت الذي نشرته ماري ميكر، من “كلاينر بيركنز كوفيلد أند بايرز، صندوق رأس المال المغامر الأميركي. في الولايات المتحدة 85 في المئة من كل دولار جديد يتم إنفاقه على الإعلانات الرقمية تذهب إلى هاتين الشركتين في الربع الأول من عام 2016.

هذا أمر مهم لأن الرقمية تصبح بسرعة أكبر مصدرا للإيرادات في مجال الإعلانات، كما ستغطي على التلفزيون في الولايات المتحدة العام المقبل، وذلك وفقا لشركة الأبحاث، “إي ماركيتر”، حيث من المرجح أن تذهب حصة الأسد إلى الاحتكار الثنائي، فيسبوك وغوغل.

ويتظاهر المسؤولون التنفيذيون بالشجاعة بخصوص ما يمكن أن يعنيه ذلك بالنسبة إلى صناعتهم، لكن ستكون هناك نتائج عميقة مترتبة على كون الشركتين هما حارستا البوابة بالنسبة إلى معظم الإعلانات الرقمية.

وتتنافس غوغل وفيسبوك في بعض المجالات مثل إعلانات الفيديو الرقمية لكنهما، وفقا لأحد التنفيذيين في مجال الإعلانات، موجودتان “في كل جزء من السلسلة الغذائية”. هذا التحول الزلزالي في مشهد الإعلانات الرقمية وعلى الهاتف الخلوي الذي تسيطر عليه بشكل فعال شركتان، لديه تداعيات واسعة بالنسبة إلى الوكالات، ومشتري الإعلام، والناشرين، والعلامات التجارية التي تريد بيع المزيد من المنتجات.

يحب المعلنون الاستهداف الذي يحصلون عليه من فيسبوك والبيانات الثمينة التي تملكها عن مستخدميها البالغ عددهم 1.6 مليار شخص، تماما كما يحبون فاعلية محرك بحث غوغل. لكنهم يشعرون بالقلق إزاء تركيز قوة السوق في شركتين لا تملكان الملعب فحسب، لكنهما قادرتان على تحديد قواعد اللعبة أيضا.

المحتوى الموجود عبر يوتيوب ليس في المكان الذي ترغب العلامات التجارية أن تكون موجودة فيه. فيسبوك ليست بالضرورة أن تكون المكان الأفضل لها

ويقول بريان ويزر، المحلل في شركة بايفوتال ريسيرتش، إن فيسبوك وغوغل “من الشركات المهيمنة” التي يمكنها قريبا أخذ الحملات بعيدا عن التلفزيون.

ويقول بول فرامبتون، الرئيس التنفيذي لمجموعة هافاس ميديا البريطانية، إنهما “صندوقان أسودان” يملكان الكثير من السلطة. وأضاف “إنهما لا تمنحان الوكالات أو العلامات التجارية إمكانية الوصول إلى الخوارزميات الخاصة بهما. البيانات التي يتم الحصول عليها هي لغوغل وفيسبوك، وليست للعلامات التجارية”.

كان للشركتين وبشكل غير متعمد أثر على إيرادات الإعلانات المطبوعة، التي انخفضت في المملكة المتحدة والولايات المتحدة خلال الأشهر الستة الماضية.

وأوردت صحيفة فاينانشيال تايمز، الأسبوع الماضي، أن التنفيذيين في الصحف البريطانية أجروا مناقشات تتعلق بتجميع الموارد لتشكيل عملية مبيعات إعلانية موحدة جزئيا لأن الكثير من الإنفاق على الإعلان في الصحف المطبوعة تحول إلى كل من فيسبوك وغوغل.

وكانت هناك مناقشات مشابهة في مهرجان كان بهدف إيجاد “كتلة ثالثة” من مخزون الإعلانات التلفزيونية لمنافسة قوة فيسبوك وغوغل. والمحادثات الآن في مراحلها المبكرة جدا، لكنها تركزت على مالكي مخزون تجميع الشبكات التلفزيونية، وفقا لأشخاص اطلعوا على المناقشات.

ويقول السير مارتن سوريل، الرئيس التنفيذي لشركة دبليو بي بي، أكبر مجموعة اتصالات وتسويق في العالم، “يمكن تشكيل تكتل واحد ممكن من المخزون، من خلال استحواذ ياهو على أميركا أون لاين، الموقع الهاتفي الرائد المملوك من قبل فيرايزون”.

ويقول “إن البديل يمكن أن يكون التحالف المقترح بين أصحاب وسائل الإعلام التقليدية، مثل فوكس القرن الحادي والعشرين، ونيوز كورب، وكومكاست، التي تملك قناة إن بي سي يونيفرسال، وغيرها من الشركات”.

وكانت الفكرة قد جاءت من “مجموعة إم” Group M، وكالة شراء الإعلام التي هي جزء من “دبليو بي بي”. ويضيف قائلا “إنها مجرد فكرة”.

الحوار مع المستهلكين

اعتاد التنفيذيون في مجال الدعاية والإعلان على حياة أكثر بساطة، فقد كانوا يحصلون على المقاولة من العميل، وينشئون حملة له، ويشترون وقت الإعلان للعميل من التلفزيون أو مساحة إعلانية في الصحف والمجلات المطبوعة.

تنافس متواصل

يقول أحد الرؤساء التنفيذيين لإحدى الوكالات “لم يعرف الناس كم كانت الأيام الخوالي جيدة إلا عندما ولت. يمكنك الابتعاد لشهرين ونصف الشهر للتفكير في الحملة ومن ثم الذهاب إلى بعض الأماكن الغريبة لتقديم الإعلان التجاري”.

في الأيام التي سبقت ظهور الإنترنت كان يمكن للعلامات التجارية وببساطة “الصراخ على الجمهور”، و”المحادثات” التي يجريها مديرو العلامات التجارية مع المستهلكين كانت بلا ريب في اتجاه واحد. تتحدث الوكالات الآن عن علامات تجارية ترتبط بشكل مباشر مع المستهلكين، ما يعمل على خلق ما يسميه كيث ويد، كبير الإداريين التسويقيين في يونيلفر، بـ “مسار الشراء”.

عبر فيسبوك، يمكن أن يكون هذا إعلانا في زاوية الأخبار عن سيارة تتضمن إدخال المشاهد بياناته الشخصية أو حجز اختبار قيادة لها، أي شيء يجعل المشاهد يقترب من اتخاذ قرار الشراء. وتعتبر يونيلفر ثاني أكبر معلنة في العالم، حيث أنها تنفق عدة مليارات من الدولارات سنويا وتمتلك علامات تجارية من ماركة “دوف” و”بي جي تيبس” إلى “مارمايت” و”بيرسيل”. ويقول ويد “اعتدنا عرض إعلان كبير الخميس عبر شاشات التلفزيون حيث أنك عندما تذهب إلى تيسكو صباح يوم السبت للتسوق يمكنك رؤية بيرسيــل وبالتالي شراؤه خلال تسوقك”.

وتحاول الشركة وأقرانها استخدام البيانات لجعل حملاتها الإعلانية مستهدفة بشكل أفضل، مدركة أنه في عصر مسجلات الفيديو الرقمية والعرض عند الطلب، يميل عدد أقل من الناس إلى مشاهدة البث التلفزيوني المباشر في وقت محدد. كما أنها أدارت أخيرا حملة “برامجية إبداعية” في البرازيل من أجل المنتج “آكس”، مزيل العرق الرجالي المعروف باسم لينكس في المملكة المتحدة، الذي استخدم تلقائيا 100 ألف صورة ورسم زخرفي لإنشاء إعلان تجاري قصير تم تصميمه بشكل منفرد للمشاهدين. وتظهر الإعلانات عبر أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة وقد تم تجميعها بشكل تلقائي باستخدام البيانات المخزنة على جهاز كل مستخدم.

ويقول ويد “التكنولوجيا تمنحك القدرة على أن تكون مركزا وبشكل أكبر على فرد معين”.

ويحمل فيسبوك كميات كبيرة من بيانات مستخدميه، بما في ذلك اهتماماتهم ومواقعهم وغيرها من المتغيرات، التي تفسر جزئيا السبب وراء توافد الكثير من المعلنين لاستخدام هذه المنصة.

ويقول بين وينكلر، كبير الإداريين الرقميين في “أو إم دي”، وهي وكالة إعلامية تعد جزءا من “أومنيكوم”، “تؤمن فيسبوك بأن الأمر الأكثر أهمية هو الهوية في ضمان فاعلية الإعلان. وهذا يعد أمرا مهما بالنسبة إلى الأداء لأن هذا يمثل قوة فيسبوك.. فهم يعرفون من أنت والكثير من المعلومات المتعلقة بك”.

ويضيف قائلا إن طريقة عمل غوغل مختلفة، لأن معظم أعمالها التجارية تأتي من عمليات البحث عبر الإنترنت.

يقول وينكلر “تؤمن غوغل بأن الهوية أمر ثانوي بالنسبة إلى النوايا. المهم هو ما تريده الآن لأن خدمات ومنتجات الإعلانات تلبي الحاجة أو الرغبة. إنها مناهج عمل مختلفة، لكنها تكمل بعضها بعضا. والحقيقة هي أن كلا منهما على حق، ولهذا السبب نستخدمهما الإثنين”.

وهناك عواقب أخرى مترتبة على تحرك صناعة الإعلان نحو إيجاد إعلانات مستهدفة أكثر اعتمادا على البيانات، فالجانب الإبداعي يتطلب المزيد من العمل.

بين وينكلر: فيسبوك تؤمن بأن الأمر الأكثر أهمية هو الهوية في ضمان فاعلية الإعلان، فهم يعرفون من أنت والكثير من المعلومات المتعلقة بك

ويقول جيم ستينجل، مسؤول التسويق العالمي الأسبق في شركة بروكتر أند غامبل، أكبر شركة معلنة في العالم “يجري استهداف عملية الإعلان الإبداعية”.

وبحسب ويد “يتطلب ذلك بالتأكيد بذل جهود أكبر من السابق. لكننا دائما ما كنا مستهدفين. والسبب في أن لدينا محفظة من ‘الآيس كريم’ هو أننا استهدفنا مجموعات مختلفة من الناس. دائما ما كنا نحقق الهدف ولدينا الآن قدرة أكبر على تحقيقه”.

حتى مع العمليات المؤتمنة، يعد تجميع الأجزاء المكونة لحملة تستهدف تركيبة سكانية مختلفة ومتعددة أمرا أكثر تعقيدا من إعلان تجاري تلفزيوني منفرد أو إعلان مطبوع.

ويقول ويد “إن كنا نريد تجاوز السوق الشاملة التي كانت موجودة في الأمس لنصل إلى التخصيص الشامل، سيكون هذا بمثابة تحد يتمثل في إنشاء المحتوى”.

مع ذلك، ليس لديه شك يذكر بأن التخصيص الشامل هو النهج الأفضل، إذ أكد أنه “ينبغي أن يكون أفضل بالنسبة إلى مستقبل العلامات التجارية”.

اختراق السلسلة

تنقسم الآراء حول ما إذا كانت الخدمات المبنية على البيانات والمقدمة من قبل فيسبوك وغوغل ستؤثر في الوكالات التي اعتادت على تقديم تلك المعلومات لعملائها. فهما تملكان منصاتهما الخاصة، وبإمكانهما تحديد الأسعار ويمكنهما، إلى حد كبير، تقديم خدمات مفيدة أخرى.

ويقول أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في مجال الإعلان “الوكالات هي الهيئات التي سيتم إسقاطها من المعادلة. إذا كان شراء حملة ما سهلا مثل سهولة اللجوء إلى فيسبوك وغوغل واستهداف فئة سكانية معينة، حينها لماذا أحتاج إلى وكالة لشراء الإعلانات؟”.

وبحسب المشترين في مجال وسائل الإعلام، حتى مع موقف فيسبوك وغوغل المهيمن، المشهد الإعلاني معقد لذلك تحتاج العلامات التجارية كل المساعدة التي يمكنها الحصول عليها.

ويقول أحد المسؤولين التنفيذيين في إحدى الوكالات “يعتمد مديرو التسويق على وكالاتهم بشكل أكبر من أي وقت مضى”.

وهناك خيارات رقمية أخرى خارج نطاق فيسبوك وغوغل، مثلا تطبيق المراسلة “سناب تشات” يصبح خيارا بديلا للمعلنين وكان له وجود كبير في مهرجان يونيو الماضي.

ويلاحظ فرامبتون “أنه آخذ في تحدي فيسبوك وغوغل، لا سيما في الولايات المتحدة”. ووجود المزيد من خيارات التوزيع أفضل بالنسبة إلى العملاء وهو يؤدي إلى وجود عمل إبداعي بشكل أفضل.

أمازون تخطط لإنتاج علامتها التجارية من منتجات السلع الاستهلاكية، مثل الوجبات الخفيفة ومسحوق الغسيل

ويقول فرامبتون “تؤدي حرية اختيار العمل مع عدة شركاء إلى تفكير أفضل وأفكار أحسن”. وأضاف “على الرغم من حجمهما ونطاقهما، هناك حدود مقيدة لدى كل من فيسبوك وغوغل. الكثير من المحتوى الموجود عبر يوتيوب ليس في المكان الذي ترغب العلامات التجارية في أن تكون موجودة فيه. يعتبر فيسبوك بيئة اجتماعية ربما ليس بالضرورة أن تكون المكان الأفضل لمنح العلامة التجارية أثر تحقيق الربح”.

وفي الوقت الذي تعاني فيه الصناعة في سبيل اختيار الطريقة التي تتعامل بها مع الاحتكار الثنائي، هناك شركات تكنولوجيا أخرى يمكن أن تحظى بأثر أكبر حتى على تسويق وبيع السلع الاستهلاكية. وتشير تقارير إلى أن أمازون تخطط لإنتاج علامتها التجارية من منتجات السلع الاستهلاكية، مثل الوجبات الخفيفة ومسحوق الغسيل. وقد عملت مع مستشارين لإيجاد علامات تجارية ستبيعها من خلال متجرها عبر الإنترنت، جنبا إلى جنب مع مواد أنتجتها شركات السلع الاستهلاكية الأخرى، مثل يونيلفر.

كما أنها تصعد أيضا تحركها لتصبح جزءا من “تحويل الأمور إلكترونيا” من خلال التحالف مع الشركات المصنعة لتقديم خدمة إعادة الترتيب التلقائي لعملائها الرئيسيين من خلال “أزرار السرعة”. فمثلا، يقوم المستهلك بوضع زر منظف الغسيل إلى جوار آلة الغسيل بحيث يمكنه الضغط على الزر لطلب كمية جديدة عند نفاد الكمية.

ومقترح أمازون، أكبر متجر عبر الإنترنت في العالم، الذي يبيع سلعه الخاصة به ويلتف على عملية الشراء التقليدية، أثار الكثير من التفكير والقلق.

يقول أحد كبار المسؤولين التنفيذييين في مجال الإعلان، مشيرا إلى نطاق أمازون وقوتها السوقية وقدرتها على بيع وتقديم منتجاتها الخاصة بها بسرعة وبشكل فاعل “يشعر الزبائن بالرعب”. كيف يمكن أن تتنافس العلامات التجارية والشركات المسؤولة عن تسويقها وبيعها؟ الإجابة ليست واضحة بشكل فوري لكن تلك المخاوف وغيرها من الأمور الأخرى المثيرة للقلق والمتعلقة بفيسبوك وغوغل لم تعمل على إيقاف الصناعة من المشاركة في مهرجان كان الشهر الماضي كما لو أن حياتها تعتمد عليه. الأمر الذي ربما يكون كذلك. يقول فرامبتون “لا يبدو الأمر وكأنه صناعة تتعرض لتهديد خطير. نموذج الوكالة يجري تعطيله وبشكل كبير”.

13