الإعلانات في العقد القادم أكبر سوق للجريمة المنظمة

الإعلانات الرقمية في السنوات المقبلة تشرع الأبواب أمام عصابات إلكترونية منظمة تسلب الملايين من ميزانيات الإعلان وتسبب أضرارا هائلة للمستهلكين وللشركات، ومن خلال هذه المنصات تستطيع العصابات معرفة نوع المتصفحين الذين تريد الشركات عرض إعلاناتها أمامهم، فتقوم باستخدام الروبوتات الفايروسية لخداع منصات الإعلان وسلب المال منها.
السبت 2016/08/06
الفايروس الروبوت سلاح فتاك في يد العصابات الإلكترونية

لندن - يصل حجم سوق الإعلانات الرقمية عالميا إلى 159 مليار دولار حسب دراسات الاتحاد العالمي للمعلنين “WFA”، والذي يتنبأ بأن تتكبد الشركات المعلنة خسارة سنوية تقدر بخمسين مليار دولار حتى عام 2025، حيث يدفع المعلنون مقابل إعلانات لا يراها أحد نتيجة عمليات غش منظمة، تقوم بها عصابات تكنولوجية متطورة، صحيفة فاينانشال تايمز تقول إن شبكات الغش التكنولوجية سوف تتضخم لتنافس بحجمها عصابات ومافيات المخدرات الممنوعة.

إثنان من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، السيناتور مارك وورنر والسيناتور تشارلز شومر، قدما هذا الشهر طلبا رسميا إلى لجنة التجارة الاتحادية “FTC” لكي تتدخل وتضع قوانين تنظم قطاع الإعلانات التجارية، فإلى جانب الخسائر التي تتكبدها الشركات المعلنة فإن خسائر الشركات العاملة في قطاع صناعة الإعلانات نفسها تصل إلى 7.3 مليار دولار.

ترليون دولار خسائر

مؤسسة بوتلاب المتخصصة بمراقبة عمليات الاحتيال في قطاع الإعلانات الرقمية تتنبأ بأن تصل خسائر دافعي الضرائب عالميا إلى تريليون دولار سنويا بسبب هذا الاحتيال، وتتوقع أن تصبح جرائم الاحتيال في قطاع الإعلانات الرقمية الثانية عالميا في ترتيب الجريمة المنظمة بحلول عام 2025.

هناك أنواع وأساليب كثيرة للإعلان على الإنترنت، وأحد أبسط أشكالها وأكثرها شيوعا هو أن تقوم الشركات المعلنة بدفع مبلغ من المال مقابل عرض إعلاناتها على متصفحي المواقع، أي أن هذه الشركات تدفع مقابل المشاهدات، وأكثر علامات الاحتيال في هذا المجال حين يقوم أصحاب المواقع إما عن عمد أو دون دراية بتزوير المشاهدات.

تقوم الكثير من المواقع باستعمال خدمات شركات ترويج لزيادة عدد زوارها، والبعض من هذه الشركات يقوم بنشر برمجيات على شكل روبوتات فايروسية تصيب عددا كبيرا من أجهزة المستخدمين والناس العاديين حول العالم، أغلب هذه الفايروسات لا تضر الجهاز المصاب، وهي غير ملاحظة من قبل صاحب الجهاز، ولكنها تقوم بزيارة مواقع وكأنها إنسان، بل وتقوم بعمليات إضافية مثل تمثيل مشاهدة فيديوهات والنقر على الإعلانات والقيام ببعض العمليات التي قد يقوم بها الإنسان العادي كإضافة منتجات لسلة المشتريات في بعض المواقع دون إكمال عمليات الدفع، ولكن كل هذا النشاط المزيف من قبل الفايروس الروبوت يتم احتسابه وكأنه نشاط بشري تدفع الشركات المعلنة مقابله.

غوغل تضع معادلة "زموت" للتفاعل الإيجابي مع الإعلان وهي مؤلفة من أحد عشر تفاعلا مختلفا على الإنترنت مع الماركة

عمليات الاحتيال في ما يخص قطاع الإعلانات ليست ظاهرة جديدة، ففي الماضي كانت بعض الصحف تقوم بطباعة عدد من النسخ يفوق بكثير العدد الذي يباع وتقوم بإلقاء النسخ الزائدة في القمامة لكي توهم المعلنين أن الصحيفة رائجة وبالتالي تتقاضى مقابلا أكبر عن الإعلانات التي تبيعها.

من المفترض أن إعلانات الإنترنت، تقدم شفافية أعلى بكثير وأرقاما يمكن التأكد منها حيث أن كل متصفح يترك أثرا رقميا يمكن التأكد منه، وكل عملية شراء أو غيرها من المعاملات التجارية التي تحدث يمكن تسجيلها ومعرفة الرحلة الافتراضية والإعلانات التي مرّ من خلالها المستهلك حتى يصل إلى عملية الشراء والدفع. أدركت شركات الإعلان ودوائر التسويق في الشركات الكبرى الفرص الهائلة والتحديات الكبيرة التي تقدمها الإنترنت، فهذه الشركات تسخّر عقولا وطاقات وأموالا كثيرة من أجل الرصد المبكر لتحولات السوق وفهم احتياجات الناس بدقة، بل والفرز الماهر بين ما يحتاجه المستهلك وبين ما يريده، وأين ومتى يريده المستهلك، فتصمم المنتجات والدعايات والإعلانات لتتطابق قدر الإمكان مع الإرادة وليس بالضرورة مع الحاجة، فقد يحتاج المستهلك إلى أن يعتني بصحته ولكنه فعليا يريد شراء أطعمة ومشروبات تخالف احتياجاته وليست صحية بالضرورة، فتسعى الشركات إلى توفير ما يريد حين يريده.

السوق غيرت طبيعة المستهلك

السوق تغيّر بفعل ثورة المعلومات، وكذلك المستهلك الذي أصبحت رحلته الشرائية مختلفة عما كانت عليه قبل الإنترنت؛ قبلها كان المختصون في التسويق يعرفون أن الإنسان العادي يحتاج إلى ما مجموعه سبع ساعات من التفاعل الإيجابي والمعايشة، لكي يُقدم على قرار كبير، فأغلب الناس لا يقررون الزواج إلا بعد انقضاء ما مجموعه سبع ساعات من الحب، ولا أحد يعتبر شخصا آخر صديقا له دون مرور سبع ساعات من المعايشة، والناس لا يشترون السلع مرتفعة الثمن مثل ثلاجة أو سيارة من ماركة معينة قبل أن يتعرضوا لما مجموعه سبع ساعات من التفاعل الإيجابي مع هذه الماركة، هذا التفاعل قد يكون على شكل مشاهدة لدعايات تلفزيونية أو الاستماع إلى الراديو أو التركيز على إعلانات في الصحف والمجلات، بالإضافة إلى المعاينة على أرض الواقع أو سماع آراء المقربين من الأصدقاء والعائلة، لهذا تحرص الشركات العملاقة على ملء كل الفضاءات المتاحة بإعلاناتها.

في هذا العصر الجديد أصبح هناك مسار مختلف للرحلة الشرائية التي يقوم بها المستهلك، رصدت شركة غوغل هذا التحول واكتشفت منذ سنين قليلة أن الإنسان العادي لا يميز بين الواقعي والافتراضي، سواء كان هذا التفاعل الإيجابي مع الماركة على أرض الواقع أو في العالم الافتراضي.

شبكات الغش التكنولوجية تتضخم لتنافس مافيا المخدرات

وقامت بوضع معادلة جديدة عوضا عن معادلة سبع ساعات التي تحولت إلى أحد عشر تفاعلا مختلفا على الإنترنت مع الماركة، وبناء على المتابعة الدقيقة لتصرفات المتصفحين ورحلتهم الشرائية، تستطيع الشركات تحديد لحظة الحقيقة، اللحظة التي يكون فيها المستخدم على وشك الشراء غالبا قبل أن يعرف المستهلك نفسه بقرب قراره، أطلقت غوغل على هذه اللحظة الشرائية اسم “زموت”.

ومن أجل اكتشاف لحظات “الزموت” وكل اللحظات التي تسبقها أثناء الرحلة الشرائية للمستهلك على الإنترنت، تم تطوير خوارزميات وبرمجيات ومنصات رقمية متطورة، ففي اللحظة التي تقوم فيها بعملية بحث على غوغل أو النقر على رابط ترسل معلومات مختلفة عن مكانك ونوع الجهاز الذي تستعمله والمواقع التي قمت بزيارتها وعمليات البحث السابقة وعمرك وجنسك وتخمينا لقدرتك الشرائية، ترسل كل هذه المعلومات بسرعة فائقة لمنصات الإعلان التي تقوم بتفصيل الإعلان المناسب وإرساله لك شخصيا، ولأن هذه العملية سريعة جدا وعددها هائل أصبح من الضروري الاعتماد على برمجيات تقوم ببيع المساحات الإعلانية وأخرى لشرائها في أغلب الأحيان دون تدخل الإنسان.

فأصبح هناك ما يشبه أسواق البورصة والمضاربة للإعلانات، إذ تُحدد الأسعار وترتفع وتهبط كما في البورصات الأخرى وعمليات البيع والشراء وتحديد الأسعار، تحصل بشكل آلي يطلق عليه الدعاية المبرمجة.

وتقدم الدعاية المبرمجة فرصا كبيرة للشركات لكي تصل للمستخدم في الوقت المناسب والمكان المناسب والأسلوب المناسب بأسعار مناسبة، ولكنها أيضا تشرع الأبواب أمام عصابات إلكترونية منظمة تسلب الملايين من ميزانيات الإعلان وتسبب أضرارا هائلة للمستهلكين وللشركات، ومن خلال هذه المنصات تستطيع العصابات المنظمة معرفة نوع المتصفحين الذين تريد الشركات عرض إعلاناتها أمامهم، فتقوم هذه العصابات باستخدام الروبوتات الفايروسية لخداع منصات الإعلان وسلب المال منها بطرق تزداد تعقيدا وتطورا يوما بعد يوم. ومع أن هذه الأنواع من الاحتيال أصبحت منتشرة إلا أن القانون مازال عاجزا عن التصدي لها.

محلل تكنولوجي

18