الإعلان يبرز المرأة بوصفها سلعة جنسية

شهدت السنوات القليلة الماضية جدلاً واسعاً حول الإعلانات سواء المطبوعة منها أو التلفزيونية أو الإذاعية، وما تقدّمه من مضمون وتأثيرها على المتلقي، خاصة وأن صورة المرأة في المادة الإعلانية تأتي بشكل مكثف وغير مسبوق، ربما بحكم تعدّد أدوارها، لا سيما من خلال تأثيرها المباشر في جذب أعين المشاهد، وعلى صنع القرارات الشرائية.
الأحد 2016/04/03
تسويق المنتج وجني الأرباح أساس الإعلان

أنجزت إيمان جمعة أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة دراسة بعنوان "صورة المرأة في الإعلانات التليفزيونية – دراسة مقارنة للفضائيات العربية والأجنبية"، ركّزت خلالها على الصورة السلبية للمرأة التي تعتمد على الرجل في قراراتها، وهي الصورة التي تبرز المرأة دائماً بوصفها موضوعاً للجنس، وجاء تطبيق هذه الصورة بالتحديد على أربع قنوات أجنبية، وفي فترة زمنية لا تتجاوز أربعين يوماً، عرضت خلالها 135 إعلاناً.

وتوصّلت الدراسة إلى العديد من النتائج، لعل أبرزها هو ذلك التماثل والتشابه بين صورة المرأة في الإعلانات التلفزيونية للقنوات العربية والأجنبية خاصة في نقاط محدّدة، منها: السن والمستوى الاقتصادي والملابس والأداء الحركي، فضلاً عن تكوين الجسم ومستوى الجمال ولون البشرة، وهو ما يؤكد أحد انعكاسات العولمة، والتي تتضح في الاختراق الإعلاني الوافد من الدول الأوروبية لقنواتنا العربية.

وترصد الدراسة أيضاً مجموعة من الاختلافات بين الجانبين العربي والأوروبي فيما يتعلّق بصورة المرأة، منها المستويات التعليمية والاجتماعية، إضافة إلى الدور الوظيفي لها، ويأتي هذا الاختلاف في صالح المرأة الأجنبية، حيث لا تدعم إعلانات التلفزيونات العربية التغيير الاجتماعي الحاصل في مجتمعاتنا، والذي يصبّ في صالح المرأة.

استغلال المرأة لا يقتصر على الإعلانات التلفزيونية فقط، بل يمتد إلى أغاني "الفيديو كليب" التي تعد استغلالا سيئا لأنوثة المرأة وإذلالا لكرامتها

وتؤكد الدراسة على أن المرأة دائماً ما تبدو بوصفها سلعة جنسية، خاصة فيما يخصّ معايير الجاذبية الجسمانية، وهو نمط إعلاني متهافت وهزيل يؤدي إلى تأثيرات نفسية واجتماعية وسلبية على النساء والفتيات، لا سيما وأن هناك علاقة ارتباطية بين حجم التعرّض للإعلانات التلفزيونية الخاصة بالجمال، ومستوى عدم الرضا عن الذات لدى الفتيات، خاصة في حال مقارنة أنفسهن بموديلات الإعلانات، فضلاً عن مستوى الشعور بالضيق والضعف والخوف من الوقوع ضحية للعنف.

كما أن استغلال المرأة لا يقتصر على الإعلانات التلفزيونية فقط، بل يمتدّ إلى أغاني "الفيديو كليب" التي تُعدّ استغلالا سيئا لأنوثة المرأة وإذلالا لكرامتها، فالقائمون على صناعة الإعلان في وطننا العربي لم يستثمروا تراث المرأة وتاريخها الممتدّ في الأغنيات المصوّرة وفي الإعلانات، وإنما فضّلوا الاتجاه كلية إلى تقليد العالم الخارجي، واستخدام المرأة كسلعة تجارية وجنسية.

ويرجع الخبراء الأمر إلى أنه يتعلّق بالتقاليد والموروثات الاجتماعية التي تعيق حركة المرأة وتقلّل من شأنها، فهي المسؤولة عن تشكيل صورة المرأة، باعتبارها مخلوقة أقل ذكاء وقدرة من الرجال، ما أحدث فجوة بين النوعين على كافة الأصعدة، ومن ثم يجب التركيز على الأدوار الإيجابية التي يقوم بها العديد من النساء في مختلف المجالات، ودورهن في المجتمع.

والحل من وجهة نظر الخبراء ليس بفرض مزيد من الرقابة على المادة الإعلانية، وإنما بأن تكون الإبداعات التي تخصّ العمل الإعلاني ذات مستوى راقٍ، بأن تخاطب ضمير وعقل المشاهد وليس غرائزه، وبانتقاء الألفاظ التي تلائم البيوت العربية ذات الطابع الشرقي، وبأن يتم تنقية اللغة من سوقية العبارات الدخيلة والغريبة التي اقتحمتنا تحت دعاوى تسويق المنتج.

الفضائيات والإعلام العربي من أهم أدوات ثقافة العولمة التي تصنع الذوق الاستهلاكي، وتحدّد مسارا خاصا ورؤية خاصة للإنسان والمجتمع

وتخلص إيمان جمعة إلى مجموعة من التوصيات، من أهمها ضرورة إعادة النظر في فكرة أن الإعلان هو مرآة المجتمع وانعكاس لثقافته، وكذلك ضرورة الانتباه إلى هيمنة شركات الإعلان الأميركية على التسويق العالمي، وهو ما يعطيها القدرة على توجيه الأذواق العامة حسب أهدافها هي، ومن تلك الأهداف توحيد القيم حول المرأة والأسرة، وحول الرغبة وأنماط الاستهلاك في الذوق والمأكل والمشرب ترويجاً لمنتجاتها، وبالتالي دعماً لاقتصادها، والخطر يكمن في استجابة بعض دول العالم النامي ومنها الدول العربية بالطبع، وهو ما يجعلنا نصف الفضائيات والإعلام العربي بأنهما من أهم أدوات ثقافة العولمة التي تصنع الذوق الاستهلاكي، وتحدّد مساراً خاصاً ورؤية خاصة للإنسان والمجتمع.

وباختصار شديد الموضوع ليس إعلاناً أو رؤية مغايرة، أو اتجاهاً يمكن احتواؤه فقط، وإنما هو أكبر من كل ذلك، لأنه يتعلّق بإعادة صياغة العالم من جديد، وهو نظام خاضع أولاً وأخيراً للأطماع الغربية والنظام العالمي.

وتقول هويدا مصطفى، أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة "إن الإعلانات أصبحت إحدى أبرز وسائل ثقافة العولمة والمادية، وتستهدف بشكل أساسي التسويق وجذب المشاهد بأيّ وسيلة وأيّ طريقة، دون أيّ اعتبارات للمضمون الذي تقدّمه، ومحتواها وما يتضمّنه من عبارات وإيحاءات سيئة تخدش الحياء والمجتمع وثوابته"، لافتة إلى أن الأمر تطوّر إلى الأسوأ خلال الفترة الأخيرة، خاصة مع تحوّل الإعلانات إلى مادة أساسية في الفضائيات والقنوات التلفزيونية، دون أيّ رقابة على محتواها، وهو ما جعلها تخرج عن السياق لتحقّق هدفها الأساسي المتمثّل في تسويق المنتج وجني الأرباح.

وتابعت هويدا قائلة "في سبيل تحقيق الإعلانات لأهدافها، وبإتباع كافة الوسائل والأدوات دون أيّ اعتبارات، كانت المرأة إحدى أدواتها وكذلك ضحاياها، والتي استخدمتها كأداة لجذب أعين المشاهدين باستخدام جمال المرأة وأساليب الإغراء، وهو ما يُعدّ إجحافاً بحق المرأة، وإهانة لكرامتها ووجودها".

وتشير هويدا مصطفى أيضا إلى أن الإعلانات لها تأثير سلبي على المجتمع وثوابته، من خلال ما تبثه من سلوكيات وألفاظ تمس عاداته وتقاليده، كما أنها أصبحت تمثّل خطراً على الأسرة العربية لما تحمله من ألفاظ خارجة وإيحاءات، والترويج لأفكار غربية وسلوكيات ترفضها المجتمعات العربية، وهو ما يحتّم ضبط محتوى هذه الإعلانات بكافة الوسائل، حتى لا تضر بالمجتمع وتؤثّر على قوامه.

21