الإغراق في التفاصيل

الأحد 2016/01/17

لا يمكنني أن أنسى يوم قصدني في عيادتي الخاصة زميل لي، وهو طبيب أسنان وكان يشكو من ألم شديد في عينه بسبب دخول نثرة معدنية في القرنية وهو يعمل، وحين حاولت أن أضع بضعة نقاط من قطرة مخدرة في عينه كي أستخرج النثرة المعدنية انتفض مُجفلا ومُبتعدا وقال لي: أعوذ بالله القطرة تُفطر! وكان شهر رمضان الفضيل، فقلت له إنني لا يمكن استخراج النثرة الحديدية دون مخدر للقرنية لأنني سأضطر لتجريفها بإبرة، فرد دون أن يترك لي أي مجال لإقناعه: استخرجيها دون تخدير لأن القطرة تُفطر. وأذعنت له وغامرت باستخراجها وهو يئن من الألم، حتى أن احتمال أن يُغمى عليه وأن يُصاب بصدمة أليمة كان واردا.

أذكر تلك الحادثة لأنني وعلى مدى سنوات روعتني مظاهر الإغراق في التفاصيل التافهة والتي لا تمت للدين في جوهره بصلة، أي سخافة وأي تغييب للعقل والمنطق اعتبار أن القطرة تُفطر لأن الإنسان يحس بطعمها في بلعومه! وهل الدين يهتم بهذه التفاصيل؟

وخلال عملي لأكثر من ربع قرن في طب العيون، كنت أعاني دوما من إقناع المرضى بضرورة أخذ الدواء والقطرات في مواعيدها، وبأن الصيام الفعلي هو صيام النفس عن عيوبها وترويضها للمزيد من أعمال الخير والمحبة، ولا أقلل من قيمة الصيام لكن جوهر الدين هو المحبة وصحة النفس والجسد، والله لن يحاسب مريضا لأنه ابتلع حبة دواء أو لأنه اضطر لوضع قطرة في عينه! أصبحت التفاصيل التافهة تغلب على جوهر الدين، ولا أستثني الديانه المسيحية من ذلك فأي تفاهة أن يُسمح مثلا بأكل السمك في صيام عيد ميلاد المسيح وهو ما يُسمى الصيام الصغير، وألا يُسمح بتناول السمك في الصيام الكبير الذي ينتهي بعيد الفصح! من شرع هذه التشريعات التي لا تمت للمسيحية بصلة، والأناجيل الأربعة لا تذكر شيئا عن أكل السمك! والمسيح نفسه لم يذكر أي شيء يتعلق بالصيام.

أصبح الدين للأسف مجموعة طقوس طغت على جوهر الدين نفسه وغيبته، بل إنني سمعت أطفالا يسألون أهلهم متى عيد بابا نويل! أصبح انتظار بابا نويل وما يحمل في جعبته من هدايا أهم من عيد ميلاد المسيح، وأصبحت طقوس تلوين البيض في عيد الفصح أهم من العيد الحقيقي وهو قيامة المسيح!

أتهم الإعلام بقوة وإصرار، فهو من خلال أكثر من 1400 فضائية دينية يقدم برامج تركز على التفاصيل الدينية التي –الله أعلم– ما مرجعيتها ومصداقيتها ويبتعد عن الجوهر، ومن يتابع هذه البرامج الدينية يُصاب بالذهول والخزي خاصة حين يُفتح باب الأسئلة والنقاش مع رجال الدين والإعلاميين المختصين بالقضايا الدينية، وكم أحسست بالخزي وأنا أستمع لسؤال مستمعة تسأل رجل الدين إن كان حلالا أو حراما استئصال الشعر من الجسد بالشفرة! وما الفتوى الدينية المتعلقة بهذا الموضوع!

ولا أنسى يوم شاهدت أحد البرامج على فضائية دينية والمشهد الذي انحفر في ذاكرتي: امرأة جميلة تقف أمام جسد، وللوهلة الأولى اعتقدت أنها طبيبة وتقدم لنا إنجازا علميا هاما، لكن تبين أن الجسد هو هيكل لجسم إنسان من البلاستيك وأن السيدة ليست طبيبة بل تعمل كاختصاصية في تغسيل الموتى على الطريقة الإسلامية، وتشرح لجمهورها كيف تقوم بتغسيل الموتى على الطريقة الإسلامية، بكل صراحة أعترف أن فرائصي تقصفت رعبا وأنا أتابع بذهول كيف أخذت تتلقى اتصالات هاتفية من مشاهدين يحجزون دورهم لتغسلهم على الطريقة الإسلامية بعد وفاتهم!! كما لو أنهم يضمنون أنهم سيموتون قبلها!!

ما معنى أن تُقدم هكذا برامج في الفضائيات، لا يمكنني أن أفهم تلك الظاهرة سوى أنها إصرار مُتعمد على أن يغرق المُشاهد في التفاهة والجهل والابتعاد ليس عن جوهر الدين فقط بل عن كل القضايا المعيشية والوجودية الهامة، أن يُغتال الفكر الحر والذي يُفترض أن يفكر بقضايا اجتماعية وسياسية جوهرية كقضايا الفساد ومشكلة البطالة وتهميش الشباب عن الساحة السياسية والاجتماعية وما إلى ذلك من مشاكل حقيقية تمس كل إنسان عربي.

أصبح برنامج الاختصاصية بتغسيل الموتى على الطريقة الإسلامية ينافس برنامج القضية الفلسطينية أو ثورات الربيع العربي أو ظاهرة انتحار الشباب العربي وإدمانهم على المخدرات وحبوب الفرفشة والأهم هجرتهم خارج أوطانهم.

أحمل الإعلام المسؤولية الكبرى عن تضليل عقول المشاهدين بالإغراق في تفاصيل تافهة ومُخجلة لا تمت للدين ولا للعقل ولا للمنطق بصلة، والأهم أنها لا تخدم الإنسان ولا تساعده على التفكير العقلاني ليحل مشاكله ويلعب دورا بناء وإيجابيا في المجتمع، بل نجد ساعات تلو ساعات وبرنامجا تلو برنامج يناقش هل قطرة العين تُفطر؟ وما الفتوى في نزع شعر الجسد للأنثى بالشفرة! ومرحبا بتغييب العقل. هذا هو الشعار الحقيقي لهذه الفضائيات.

21