الإغلاق يضاعف جرائم الاحتيال الإلكتروني

الشعور بالوحدة يسهّل الاحتيال باسم الحب.
الجمعة 2021/02/26
الابتزاز الرومانسي أبرز جرائم الاحتيال الإلكتروني

تسبب انعزال ملايين الأشخاص في منازلهم وإغلاق حدود الدول جراء جائحة كورونا، في خلق صعوبات لدى المتحيلين في كسب المال عبر “نشاطاتهم التقليدية” كالسرقة والتهريب، ما جعلهم يلجأون إلى حيل جديدة تتمثل أساسا في إنشاء علاقات قوية على الإنترنت مع أشخاص ثم يطلبون المال منهم أو يبتزونهم بعد تهديدهم بنشر صور أو معلومات خاصة جدا عنهم في حال رفضهم الاستجابة لطلباتهم. ويطلق خبراء علم النفس على هذا النوع من السلوك مصطلح التحيل الإلكتروني باسم الحب.

تزايد عدد الجرائم الإلكترونية خلال جائحة كورونا مقابل تراجع الجرائم العادية. وقد حذرت وكالات الشرطة من أن المجرمين يستفيدون من مخاوف الناس من جائحة كورونا لبيعهم منتجات دون المستوى المطلوب أو يحتالون عليهم ويستولون على أموالهم عبر الإنترنت.

ورغم أن موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك قد أحدث ثورة في طريقة تفاعل الناس وتواصلهم إلا أن المتحيلين يجدون طرقا جديدة لاستخدام البيانات الضخمة في فيسبوك لارتكاب الجرائم الإلكترونية؛ حيث يجمع موقع فيسبوك وحده أكثر من 500 تيرابايت من المعلومات كل يوم.

وتؤكد الدراسات الحديثة أن البيانات الضخمة يمكن أن تتولد عنها قيمة مالية كبيرة في القطاعات المختلفة. لذلك يركز الباحثون على دراسة المخاطر المرتبطة باستخدام البيانات الضخمة لشبكات التواصل الاجتماعي وخاصة فيسبوك.

وأظهرت دراسة بعنوان “فيسبوك والجرائم الإلكترونية في عمان، هل هناك علاقة؟” أن 70 في المئة من المشاركين يعتقدون أن هناك علاقة بين الجرائم الإلكترونية والاستفادة من المعلومات الشخصية لمستخدمي فيسبوك. علاوة على ذلك، بدا أن أكثر من 66 في المئة من المشاركين يعتقدون بأن هناك قلقا من قبل المستخدمين إزاء خصوصيتهم في فيسبوك، ورغم ذلك يرى 33 في المئة فقط من المشاركين بأن مستخدمي الفيسبوك يقومون بتعيين إعدادات الخصوصية لحساباتهم في الموقع. وخلصت الدراسة إلى وجود حاجة إلى المزيد من الدراسات لفهم أسباب تزايد الجرائم الإلكترونية، وإيجادحلول  للتقليل منها  .

وأشارت مريم (اسم مستعار)، ثلاثينية عزباء وموظفة بالقطاع الخاص، إلى أنها أصبحت تمقت حياتها جراء علاقة أقامتها مؤخرا عبر الإنترنت مع شخص يكبرها بـ5 سنوات.

كما تضاعفت العمليات الاقتصادية عبر الواب والندوات العلمية لمريديها تضاعفت عمليات التحيل والسرقة والابتزاز الرومانسي لهواة التحيل

وقالت مريم “تكاد الهواجس تقتلني خوفا من أن ينكشف أمري أمام أهلي، فصديقي هددني بنشر صور لي على مواقع التواصل الاجتماعي إذا لم أمكنه من مبلغ مالي طلبه مني، وصار يحاصرني برسائله المتكررة أينما ذهبت”.

وأضافت أنها لم تكن تتصور أن ما دار بينهما في العديد من المناسبات كان موثقا بالصور والفيديوهات وأن علاقتها بهذا الشخص يمكن أن تكون سببا في هدم حياتها ومستقبلها العائلي والمهني.

ويرى علماء النفس أن العالم الافتراضي توسع مداه إلى حدود أن الواقع صار على هامشه الافتراضي ومن المنطقي أن تهاجر الجريمة إلى هذا العالم المستحدث.

وقال أحمد الأبيض المختص في علم النفس إنه مع الحجر الصحي وتقليص عدد ساعات العمل الحضورية وارتفاع عدد ساعات العمل الافتراضية تضاعفت التجارة عن بعد واستغل التواصل الافتراضي كذلك في التعليم ومجالات الجريمة.

وأضاف أن المجتمع التونسي يعاني من مشكلة عنوسة ما يمثل أرضية خصبة لتنامي الجرائم الإلكترونية باسم الحب، ذلك أن النساء اللواتي كن يعملن لمدة 8 ساعات وجدن أنفسهن لا يعملن إلا ساعات قليلة ما ولد لديهن كثيرا من الفراغ لم يجدن من يملأه لهن.

الطيب الطويلي: المتحيل يستند إلى الفراغ العاطفي لضحاياه ويعتمد الإغواء
الطيب الطويلي: المتحيل يستند إلى الفراغ العاطفي لضحاياه ويعتمد الإغواء

وأشار إلى أن النساء والفتيات يصبحن فريسة سهلة لمن يطرق بابهن من هذا المجال، ويصبحن قابلات للاستدراج.

وأكد على أن هناك فرقا كبيرا بين انتظارات الإناث من الذكور وانتظارات الذكور من الإناث، مشيرا إلى أن 80 في المئة من انتظارات الفتيات من الفتيان لا علاقة لها بالجسد في حين أن 70 في المئة من انتظارات الذكور من الإناث تدور حول الجسد.

وأشار إلى أن أحسن مدخل للسيطرة على عقول الإناث هو لغة الحب والعواطف لذلك من السهل أن تقع الفتيات ضحية للجرائم الإلكترونية وسلب المال عن طريق إثارة الجانب الرومانسي فيهن.

بدوره أكد الدكتور الطيب الطويلي المختص في علم الاجتماع أن الحجر الصحي وحظر التجول الليلي والخوف من الاختلاط بالآخرين تفاديا للإصابة بالوباء كلها عوامل ضاعفت المكوث في المنزل وانعزال الملايين عن الحياة الاجتماعية الطبيعية وتعويضها بحياة اجتماعية بديلة مقتصرة على شاشة الكمبيوتر وشبكة الإنترنت.

وأضاف لـ”العرب” أن الإنترنت أصبح عالما رديفا للعالم الواقعي يمكن لمستخدمه الشراء والبيع والتعارف ويمكن لكل مستعمل أن يوظف هذا الفضاء حسب شخصيته القاعدية وميولاته. وكما تضاعفت العمليات الاقتصادية عبر الواب والندوات العلمية لمريديها تضاعفت عمليات التحيل والسرقة لهواتهما. ووجدوا من ساعات المكوث أمام الشاشة دافعا إلى تحويل نشاطاتهم في السرقة والتحيل إلى هذا الفضاء واستغلاله لكسب المال أو التحرش أو غيرهما.

صورة

وأشار الطويلي إلى أن من بين  طرائق الاحتيال المنتشرة التي زادت بكثرة الاحتيال باسم الرومانسية والحب، حيث يستند المتحيل على الفراغ العاطفي لضحاياه ويعتمد الإغواء عبر بعض القوالب الغرامية الجاهزة للإطاحة بالضحية من خلال مواقع المواعدة الإلكترونية أو وسائل التواصل الاجتماعي كفيسبوك، ويمكنه ابتزاز الأموال وذلك عبر طريقتين رئيسيتين هما طلب الأموال بشكل ودي باسم العشق والصداقة أو عبر الابتزاز من خلال صور يكون قد تحصل عليها إثر محادثات غرامية، وقد يصل الاحتيال أحيانا إلى حد أخذ المعطيات البنكية والمصرفية للضحية واستغلالها.

وتعتمد تونس سياسة جنائية من أجل حماية حقوق الأفراد والمجتمع والاستجابة للضحايا الذين يتعرضون للتهديدات الإلكترونية، حيث تمّ تضمين هذا الحق في الفصل 24 من الدستور التونسي الذي نصّ على ضرورة حماية الحياة الخاصة وسرية المراسلات والاتصالات والمعطيات الشخصية. كما تم التأكيد في الفصل 86 من مجلة الاتصالات على العقاب بالسجن لمدة تتراوح بين سنة واحدة وسنتين وبخطية من مئة إلى ألف دينار لكل من يتعمد الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحته عبر الشبكات العمومية للاتصالات.

كذلك تضمّنت المجلة الجزائية هذا الحق بالفصل 226 الذي نصّ على العقاب بالسجن لمدة ستة أشهر وبخطية قدرها ألف دينار لكل من يعتدي علنا على الأخلاق الحميدة أو الآداب العامة بالإشارة أو القول أو يعمد علنا إلى مضايقة الغير بوجه يخلّ بالحياء ولكل من يلفت النظر علنا إلى وجود فرصة لارتكاب فجور وذلك عبر كتابات أو تسجيلات أو إرساليات سمعية أو بصرية أو إلكترونية.

وفي ماي 2018 صادق مجلس الوزراء في تونس على مشروع قانون مكافحة الجرائم المتعلقة بأنظمة المعلومات والاتصال، وينص الفصل الأول من مشروع هذا القانون، على أنه يهدف إلى التوقي من جرائم أنظمة المعلومات والاتصال وزجر مرتكبيها وضبط الأحكام الخاصة بجمع الأدلة الإلكترونية.

21