الإغواء الديني وخيانة المثقفين

السبت 2014/02/22
الشرق عند المستشرقين هو نتاج الجغرافيا الخيالية

ما يُميّز إدوارد سعيد في جميع إسهاماته الفكرية الغنية والمتعدّدة، هو تلك الرؤية النقدية العلمية الجريئة والواسعة التي قدمتها كتاباته في نقد المركزية الثقافية الغربية ونقضها، من خلال محاولة تفكيك بنية خطابها الاستعماري (الاستشراقي)، إضافة إلى الكشف عن التمثيل الديني بمدلولاته السياسية المعاصرة في الخطاب الفكري اليهودي، بهدف إضفاء صفات الشرعية على العلاقات العبرية- الفلسطينية، وما يراه تزويرا وتزييفا لحقائق الواقع التاريخي في فلسطين، حيث كرس السنوات الأخيرة من حياته للدفاع عن قضية شعبه، عبر فضح ونقض المقولات المزيفة التي يحاول أنصار إسرائيل من المفكرين اليهود إسباغها على التاريخ اليهودي.

هذا الغنى والتنوع في فكر سعيد دفع بالعديد من الدارسين والمفكرين إلى مناقشة أطروحاته. ويُعدّ كتاب “إدوارد سعيد والمؤثرات الدينية لوليام هارت” الصادر عن مشروع كلمة بـ”أبو ظبي” مؤخّرا، مساهمة هامة في الجدل المحتدم الذي كان يدور بين هذا المفكر، والكاتب اليهودي مايكل فالزر في كتابه الخروج والثورة، الذي حاول فيه اجتراح معنى خاصّ من إرثه الديني، بما يتواءم مع سياسته الديمقراطية الاجتماعية والعلمانية، بهدف إكساب التاريخ اليهودي معنى معاصرا. لكن هارت لا يتوقف عند حدود هذا الجدل بل يقدم قراءة واسعة لمواقف سعيد العلماني من الدين وفهمه للعلمانية.


العلمانية والدين


يذهب المؤلف في مقدمة كتابه إلى التأكيد على أن سعيد ليس مفكرا دينيا، وأن الدين بالنسبة له شيء لا يمكن تنحيته جانبا، فهو بالنسبة له قضية، على خلاف العلمانيين الآخرين الذين لا يولونه أية أهمية. إن العلمانية كما يراها، علاقة ذات نوع خاص بالدين، ولذلك فإن الأمور الدينية بحسب مفهومها الواسع مهمة لرؤية الأشياء، ومهمة بالنسبة لتصوره هو، ولفهمه للنقد الثقافي ولصورة الناقد العلماني لديه.

ويكشف عن رأي سعيد في ما قدّمه فالزر من خلاصات في نقده الثقافي للتاريخ اليهودي، على أنه يمثل رمزا للخلل في هذا النقد المعاصر، لأنه يكشف عن شهادة بليغة للمؤثرات الدينية للثقافة، ودليلا على عودة التدين المكبوت في النظرية النقدية المعاصرة أو ما يسميه بالإغواء الديني للناقد العلماني، وعودة التدين المقموع.

يرى سعيد أن الأمة والدولة والدولة القومية هي سفينة الهوية الحديثة، وأن الدولة القومية تبني الآخر الخاص بها

إنّ هذا التحليل كما يراه المؤلف يعبر عن انشغال سعيد بوظيفة المثقف حيال قول الحقيقة، لأنّه كان معنيا بالكشف عن خيانة المثقفين وفشلهم في مقاومة الإغراء الديني. ولأنه يرى الثقافة ميدان حرب يكافح فيه المثقف المسؤول ضد المؤثرا ت الدينية للثقافة، والتي تعني الظواهر الاجتماعية التي تؤطر طرق البحث والتقصي وتقوِّي التماثل والتجانس.

يحدد هارت محاور الكتاب في العناية بخطاب سعيد وفكره الخاص، إلى جانب الحديث عن مجموعة من النقاد والمفكرين الآخرين أمثال؛ مايكل فالزر وماثيو آرنولد وأنطونيو غرامشي وكارل ماركس ونيتشه وميشيل فوكو ونعوم تشومسكي، وذلك من خلال تقديم سعيد لآرائهم، وكيفية توضيح آرائهم لآراء سعيد أيضا.


الثقافة والفكر الديني


في هذا السّياق يكشف هارت عن مرجعيات سعيد، كما جرى تمثّلها في مؤلفاته المختلفة، لاسيما كتاب ماثيو أرنولد الثقافة والفوضى، الّذي يشير إلى الطبيعة المزدوجة الّتي كان يتميز بها ماثيو من حيث توزعه بين عالمي الإيمان المسيحي التقليدي وعالم العقل العلمي الحديث، حيث عمل سعيد في كتاباته على تغيير مظاهر الفكرة الثقافية عند ماثيو ورفض الاحتفاء بالثقافة باعتبار ذلك دينا متحولا، الأمر الذي يجعله يشترك مع ماركس في معارضته لأنواع واسعة من الفيتيشيات الثقافية، انطلاقا من موقف سعيد القائم على اعتبار نقد الدين المتحول أساسا لكل نقد.

لكنه من جهة ثانية يستغرب صمت سعيد عن مسألة الثقافة باعتبارها شكلا من أشكال تحول الفكر الديني. ذلك لأن سعيد، كما يراه، يعتقد أنّ الدين يصبح في وضع رائع عند إقصائه إلى مكانه الصحيح كمسألة خاصة على الوجه الدقيق.

إنّ اختلاف سعيد، من وجهة نظره، مع آرنولد يكشف عن العلاقة المناسبة والقويمة بين الدين والنقد الثقافي. لذلك كان موقفه من مفهوم آرنولد للثقافة يتسم بالنفور والافتتان في آن معا، الافتتان بأن الثقافة هي أفضل ما قيل وأفضل ما تم التفكير به في العالم، والنفور من عبادة الدولة.

أما عن المؤثرات الدينية للثقافة القومية في دراسات سعيد عن القومية وحقوق الإنسان والتفسير، فيرى هارت أنها الأكثر وضوحا حول القومية، فهي تنتهي بتسليط الضوء على القضية الفلسطينية. لكنه يركز هنا على جانب محدد في موقف سعيد من القومية، يتمثل في العلاقة بين السلطة والقومية التي تعد بالنسبة له إلها دائم الفشل، كما كان يراه ماثلا في الثورة الإيرانية.


القومية منتج مسيحي

هارت يكشف في كتابه عن مرجعيات سعيد


يوضح هارت كيف نشأت الدولة القومية في أوربا، كاشفا عن الظروف المسيحية والأوروبية تحديدا بعد الحملات الصليبية، وعلى خلفية الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت وبينهم وبين اليهود.

أما سعيد فهو يرى أن الأمة والدولة والدولة القومية هي سفينة الهوية الحديثة، وأنّ الدولة القومية تبني الآخر الخاص بها، في حين يشير اللاّهوت إلى تمثيل الأمة لذاتها وإلى أسمى ما لديها من أفكارأو إلى ذاتها المثالية لأنها قضية تمثيل للذات. يوضح هارت مفهوم سعيد عن القومية التي يقول بأنّها شبيهة بالإمبرالية باعتبارهما من المؤثرات الدينية للثقافة.

إنّها حمض اجتماعي يدمر أنماط الحياة الاجتماعية الأكثر شمولا وكونية ولا تجانسا. ويفرد هارت لموضوع الاستشراق، بوصفه واحدا من التأثيرات الدينية للثقافة عند إدوار سعيد، الذي يتتبع موضوع المستشرق في كتابات سلفستر دي ساسي وإرنيست رينان، ويعدها نموذجا للطريقة التي كانت تعد فروع المعرفة الاستشراقية، نسخا معدلة ومعلمنة لنزعة ما وراء الطبيعة المسيحية.

إنّ الاستشراق هو رومانسية تراجيدية ومشروع تعويضي يعاد ظاهريا فيه الشرق إلى ماضيه المجيد، وينبعث فيه المستشرق روحيا من جديد. والشرق عند المستشرقين الغربيّين، كما يراه سعيد، هو نتاج الجغرافيا الخيالية لأولئك الناس الذين جاؤوا لمعرفة أنفسهم وثقافتهم وأراضيهم كالأوربيين والغرب، فهو وسيلة لاستثمار المساحة بمعان متشعبة كالاحتلال والإدارة الإمبرالية التي تقع خارج هذا الاستثمار الخيالي، ولكن بالتنسيق معه. في نهاية البحث يقدم هارت عرضا للمراجعات النقدية، التي قدمها عدد من المفكريين العرب والغربيين لكتاب الاستشراق.


ثقافة الإمبريالية


تحت عنوان “الإمبريالية والمؤثرات الدينية للثقافة” يُفرد هارت في هذا الفصل مساحة واسعة لمناقشة كتاب سعيد “الثقافة والإمبريالية” التي تتجاوز حكايتها وثقافتها الحدود الجغرافية والإبداعية للاستشراق، حيث يعرف ثقافة الإمبرالية بكونها الظاهرة المعقدة التي يعمل فيها كل من الوجود الاجتماعي والوعي الفردي والعالم والنص على تحديد بعضهم البعض.

في حين يصف العلاقة المعقدة والمتبادلة بين الإنتاجات المكتوبة مثل الرواية الأوروبية الواقعية والممارسات الإمبريالية في الأراضي البعيدة جغرافيا. إنّه يفسر الإمبريالية على أنها ظاهرة ثقافية تحدث داخل العلاقات ذات المراحل المتعددة من القوة والمعرفة، والتي هي غير قابلة للاختزال في اللغة.

وهي أيضا تأثير ديني للثقافة، ما يستدعي من هارت البحث في التاريخ الديني للأيديولوجيا أولا، ومن ثم البحث في مفهوم الثقافة عند سعيد باعتبارها موقع تشكيل الهوية والصراع والتزاحم الذي تتشارك فيه الأسباب السياسية والأيديولوجية المختلفة مع بعضها البعض.
17