الإفتاء المصرية تعلن مواجهة فكرية ضد داعش في أوروبا

الثلاثاء 2014/12/30
مؤسسات دينية وفكرية تتصدى للتشدد النابع من القراءات المغالية للنص الديني

القاهرة – لم يعد الدور الذي تقوم به المؤسسات الدينية الرسمية، قاصرا على الداخل فقط، حيث بدأ بصرها يمتد إلى الخارج، فبعد قيامها بدور فاعل في ضبط فوضى الخطب الدينية في عدد كبير من المساجد، شرعت في التواصل مع المراكز والمساجد في دول مختلفة، وأرسلت بعثات دينية عدة، بعد نجاح تنظيم “داعش” وغيره من المتشددين، في تجنيد عناصر أوروبية وأميركية لا تعلم الكثير عن الدين الإسلامي، وتحولوا إلى قنابل موقوتة، كما أن حملات التشويه الناجمة عن هذه التصرفات تصاعدت بشكل كبير.

أعدتدار الإفتاء نموذجاً لخطبة موحدة باللغة الإنكليزية، حول نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقامت بالتواصل مع مراكز ومساجد في الولايات المتحدة وأوروبا وشرق آسيا وجنوب أفريقيا، واقترحت أن يكون يوم الجمعة المقبل، موعدا لإلقائها وتعريف العالم بالرحمة المهداة، قبيل ذكرى مولده الشريف، الموافق للسبت الثالث من يناير.

ترمي الخطبة إلى الرد على المتطرفين والجماعات الإرهابية التي تدعي الانتساب للإسلام، ووصفتهم بأنهم يرتكبون جرائم منكرة في حق المقام النبوي، إذ ينطلقون إلى كلمات من الهدي النبوي الشريف، وينتزعون الكلام من سياقه، ويحملونه على أسوأ المعاني، ويخلعون عليه ما وقر في نفوسهم من غلظة وعنف وشراسة وانفعال، مع جهل كبير بأدوات الفهم، ومقاصد الشرع وقواعده، مؤكدة على ضرورة محاربة قوى التطرف بنشر خلق الرحمة.

قيام الأزهر بترجمة كتب لمفكرين إسلاميين مستنيرين، ممن لهم مؤلفات تقدم الإسلام بعيدا عن الأفكار المتطرفة


رد على حملات التشويه


إبراهيم نجم مستشار المفتي الذي أعد الخطبة وكتبها باللغة الإنكليزية، شدد على نشر القدوة الحسنة لكل مسلم، خاصة في المجتمعات غير المسلمة، مشيرا إلى أن الخطبة أرسلت لأكثر من 3 آلاف مركز ومسجد، واقترح على رؤساء المراكز الإسلامية وأئمتهم دعوة أكبر عدد من غير المسلمين لسماعها، وطبعها وتوزيعها على روادها، ونشرها على المواقع الإلكترونية المختلفة لتعميم الفائدة.

تبدو حملة دار الإفتاء المصرية، ردا على الحملات المعادية للإسلام، التي تصاعدت، وكان آخرها في ألمانيا والسويد وبعض الدول الأوروبية، في محاولة منها لتصحيح النظرة للإسلام، التي جاءت من مشاهد العنف المتكررة باسم الدين.

دار الإفتاء تسعى إلى نشر العديد من المقالات باللغات الأجنبية في صحف العالم عن النبي الكريم، ونشر فيديوهات لشوقي علام مفتي مصر، وعدد من علماء دار الإفتاء، مترجمة إلى لغات عدة للتعريف بأخلاق النبي، وخصصت “هاشتاغ” على مواقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” و”تويتر” للتفاعل مع المتابعين واستقبال مشاركاتهم، وعرض المقالات والفيديوهات على الصفحة الرسمية لدار الإفتاء باللغة الإنكليزية.

محمد فايد هيكل أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، قال لـ”العرب” أن خطوة دار الإفتاء مهمة في هذا التوقيت، ويمكن أن تكون نواة جيدة لتصحيح صورة الإسلام، مطالبا بخطوات أكبر وأوسع، حتى لا تتحول إلى تحرك موسمي مرتبط بالمولد النبوي الشريف فقط.

وأشار إلى أهمية أن يقوم الأزهر بترجمة كتب لمفكرين إسلاميين مستنيرين، بداية من الإمام محمد عبده، والشيخ عبدالله دراز، والشيخ محمود شلتوت، والأستاذ عباس محمود العقاد، وهؤلاء جميعا لهم مؤلفات وأعمال عظيمة تقدم الإسلام، بعيدا عن الأفكار المتطرفة.

هشام النجار الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، أوضح لـ”العرب” أن الهدف من الحملة الجديدة التي تقوم بها دار الإفتاء، عدم إلصاق تهمة الإرهاب والتكفير والفوضى والدموية بالدين الإسلامي، فقد خلفت تصورات وممارسات من يرفعون راية الدعوة الإسلامية، مثل “داعش” و”القاعدة” و”النصرة” و”أنصار بيت المقدس” وغيرها، انطباعات سيئة لدى الغرب، وأساءت للإسلام ورسوله الكريم.

وأضاف “فايد هيكل” أن الإنسان العصري، في أوروبا والولايات المتحدة مثلا، يحتاج إلى خطاب ينطوي على أدلة عقلية يتم عرضها بشكل جيد، وهذا يقوم به مفكرون كبار لهم خبرة، وغير هواة، وشدد على مناقشة مشاكل العالم الإسلامي بحرية، وتنظيم ندوات ومحاضرات، لتفنيد الأفكار التي تتبناها حركات متطرفة والرد عليها بالبراهين، بدلا من لغة العواطف والكلام الأجوف.

حملة دار الإفتاء رد على الحملات المعادية للإسلام، ولتصحيح النظرة التي جاءت من مشاهد العنف المرتكبة باسم الدين


تحركات مبتورة


متابعون وخبراء أكدوا لـ”العرب” أن نجاح التنظيمات المتشددة في تجنيد بعض العناصر التي تنتمي للثقافة الغربية، يعود إلى اعتماد هؤلاء على مصادر مغلوطة أو مشوهة، استقوا منها رؤيتهم عن الدين الإسلامي، وقدموها باعتبارها صحيحة، كما أن الرافضين، اعتمدوا غالبا على مصادر سطحية للمعرفة، كالسينما وبعض الكتب التي وضعها مستشرقون أو مغرضون، هدفهم تشويه صورة الدين، بحسبانه دمويا وبدويا يشجع على تقطيع الرقاب وبتر الأطراف، ويقيم الحدود بلا ضوابط شرعية، الأمر الذي أفضى إلى ترسيخ صورة ذهنية سيئة، لا علاقة لها بالإسلام الوسطي الصحيح.

توقف هشام النجار عند نقطة بالغة الأهمية، تغافلها كثيرون ممن تصدوا لتقديم الإسلام بصورته الحقيقية، وهي ضعف الإنتاج الإعلامي الرصين في الدول الإسلامية، وهو ما يتمثل في العجز عن إنتاج أفلام سينمائية ضخمة، تقوم بدور تنويري وعرض الإسلام المعتدل والصحيح، وتقديمه للغرب وغيره، وذلك للتقليل من تأثير الدعايات المضادة.

وأوضح أن جهود الأزهر ودار الإفتاء في مصر مشكورة، لكنها ليست كافية، ولا تزال في بداياتها، حيث تقف عند حدود الدعوة التقليدية، مثل الكتب والدعاة والخطب.

وكان الأزهر، ووزارة الأوقاف، وكذلك دار الإفتاء، أعلنت كل منها عن إرسال بعثات تنويرية لدول في قارات العالم المختلفة، ومنها من قام فعلا بهذه الخطوة في أفريقيا (وزارة الأوقاف)، ومنها من قرر إحياء دوره (الأزهر) في دول آسيوية وأفريقية، بحجة الدفاع عن الإسلام الذي يتعرض لانتقادات، بسبب ارتفاع أعداد المتطرفين المنتسبين إليه، ومن المتوقع أن يكون المردود ضعيفا لهذه الجهود، التي حتما سيؤثر عدم التنسيق بينها على الجميع.

13