الإفراج عن أفراح شوقي لا يمنح صك البراءة للحكومة العراقية

أطلق سراح الصحافية العراقية أفراح شوقي بعد أسبوع من اختطافها على يد مسلحين مجهولين، لكن الحادثة لا تزال تمثل دليلا على ضعف الحكومة العراقية أمام جهات أخرى تمنح نفسها الحق في مساءلة الصحافيين واختطافهم خارج سلطة القانون، وعجز الجهات الأمنية عن حمايتهم.
الخميس 2017/01/05
معاناة أفراح شوقي تمثل كل الصحافيين في العراق

بغداد - أثار إطلاق سراح الصحافية العراقية أفراح شوقي بعد أسبوع من اختطافها، المزيد من الشكوك حول ميليشيات متنفذة تعمل وفق أجندتها ولا تعبأ بالقانون وتستغل ضعف الحكومة.

وتحوم الشكوك حول ميليشيات مدعومة من إيران قامت باختطاف الصحافية خصوصا بعد اللغط الذي أثاره نشر تقرير عن العراق في صحيفة عربية تصدر في لندن، وكانت شوقي تعمل مراسلة لها في بغداد.

وأفادت مصادر مطلعة لـ”العرب”، بأن جهاز المخابرات العراقي هو المتسبب في إطلاق سراح الصحافية أفراح شوقي، بعد اختطافها لتسعة أيام من قبل مسلحين مجهولين.

وأضافت المصادر أن الجهاز تتبع السيارات المشتبه بها إلى مناطق تقع شرق بغداد، عبر كاميرات مراقبة منتشرة في الشوارع، ثم قاد حملة تفتيش طالت نحو 1000 منزل، خلال الأيام الثلاثة التي سبقت الإفراج عن شوقي.

وأكدت مصادر “العرب”، أن جهاز المخابرات العراقي نجح في حصر المنازل المشتبهة في منطقتي جميلة وحي طارق شرق بغداد، ثم قادته عمليات المراقبة إلى منزل يعتقد أن الخاطفين احتجزوا الصحافية فيه.

وتبين لدى تحديد الهدف، والبدء في وضع خطة الهجوم عليه، أنه منزل تابع لحركة عصائب أهل الحق، فتم إبلاغ رئيس الوزراء حيدر العبادي شخصيا، حيث صدرت أوامر صريحة بتنفيذ الاقتحام.

ويبدو أن هذه الأنباء تسربت إلى قيادة عصائب أهل الحق، التي سارعت للاتصال بقيادة جهاز المخابرات، طالبة منه التريث لساعات قليلة، قبل مهاجمة الهدف المذكور.

ولفتت المصادر إلى أن دقائق قليلة مرت قبل أن تسجل عدسات المراقبة تحرك سيارة مظللة من المنزل المستهدف، نحو منزل آخر.

وتابعت القوة التي تراقب المنزل، حركة السيارة التي توقفت أمام منزل ثان، وترجلت منها امرأة و3 رجال، دخلوا المنزل جميعا، وبعد قليل خرجت المرأة وهي تقود سيارة بمفردها، ولدى متابعتها، تبين أنها الصحافية أفراح شوقي، التي توجهت فور الإفراج عنها، إلى منزل عائلتها في حي المنصور.

وتشير المعلومات التي حصلت عليها “العرب”، إلى أن الاتصال الذي تم بين جهاز المخابرات، وقيادة العصائب، تضمن إبلاغا مباشرا بوجود قوة مستعدة الآن لتنفيذ عملية اقتحام بهدف تحرير الصحافية أفراح شوقي، فجاء الرد بطلب مهلة ساعات لاتخاذ إجراء يضمن حلا سلميا للمشكلة.

ووصلت شوقي إلى منزل عائلتها، بمواكبة كبيرة من قيادة عمليات بغداد وجهاز مكافحة الإرهاب ووزارة الداخلية، ولدى وصولها إلى المنزل، كانت أروقته تعج بالبدلات والرتب العسكرية الكبيرة. واحتضنت الصحافية ابنها يوسف، وكان في انتظارها الإعلامي عماد العبادي الذي قاد حملة بالتظاهر والاعتصام في ساحة التحرير والمنطقة الخضراء للمطالبة بإطلاق سراحها، وهي التظاهرة التي أطلقت الشرطة خلالها النار لتفريقها دون أن تقع إصابات.

ولم تمر دقائق قليلة، حتى اتصل العبادي شخصيا بالصحافية أفراح شوقي، ليطمئن على سلامتها.

وفي أول تصريح متلفز لها، عقب إطلاق سراحها، قالت شوقي إنها خضعت لـ”استجواب بسيط”، ثم “خرجت منه بريئة”، ولم تكشف شوقي ولا الجهات الأمنية عن الجهة التي قامت بالاختطاف، ولم تعلق الجهات الأمنية على هذه الإهانة غير المباشرة التي وجهت لها، وعما إذا كانت جهات أخرى تقوم باستجواب الصحافيين خارج سلطة القانون. وشكرت شوقي العراقيين على وقوفهم إلى جانبها، وكل من دافع عنها ودعا إلى الإفراج عنها. وعبرت عن أملها في أن يفرج عن كل السجناء والمظلومين، معتبرة أنهم بحاجة إلى من يقف إلى جانبهم.

اتصال بين جهاز المخابرات، وقيادة العصائب، تضمن إبلاغا بوجود قوة لتنفيذ عملية اقتحام لتحرير أفراح شوقي

وكان مسلحون خطفوا، في 26 من ديسمبر، شوقي من منزلها، بعد ساعات من نشرها مقالا على الإنترنت، حمل عنوان “استهتار السلاح في الحرم المدرسي” وانتقدت فيه بشدة “المجاميع التي تتصور نفسها أكبر من القانون” وتفرض ما تريد بقوة السلاح في العراق.

وشوقي معروفة في العراق بدفاعها عن حقوق الإنسان، وهي تعمل مديرة قسم في دائرة الفنون التشكيلية ورئيسة لجنة المرأة في وزارة الثقافة العراقية، وعرفت بكتاباتها التي تنتقد الفساد السياسي والإداري في مرافق الدولة العراقية، وانتشار الميليشيات والجماعات المسلحة وحمل السلاح خارج سلطة الدولة، وعملت ضمن مكتب جريدة الشرق الأوسط التي تصدر في لندن، كمراسلة من بغداد متفرغة للتقارير والأخبار الفنية والمنوعة، قبل أن يغلق المكتب الشهر الماضي. وهي متزوجة ولديها ابن واحد.

وسبق أن اشتكت شوقي من تعرضها لحملة تشهير وتحريض واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي بعد نشر تقرير صحيفة الشرق الأوسط، على الرغم من تركها العمل في الصحيفة منذ فترة طويلة، وأفادت تقارير بأنها طلبت قبل فترة من بعض أصدقائها والمقربين منها دعمها إزاء ما تتعرض له من تهديدات من مجهولين بسبب مواقفها.

وأثار اختطاف أفراح شوقي ردود أفعال دولية واسعة النطاق، حيث أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية دعمها التحقيق في القضية.

وقالت الخارجية الفرنسية في بيان عقب واقعة الاختطاف إنها ترحب “بشجاعة السيدة شوقي، ودفاعها عن حقوق المرأة، وهي من الشخصيات المعروفة على نطاق واسع ومحل تقدير في العراق والعالم، وقامت بكشف حالات الفساد والانتهاكات التي ارتكبتها الميليشيات”.

كما أعربت منظمة “مراسلون بلا حدود” في باريس عن بالغ قلقها بعد اختطاف الصحافية، وحثت السلطات العراقية على بذل قصارى الجهود للعثور عليها.

وتعتبر أفراح شوقي أحد المئات من الصحافيين العراقيين الذين يدفعون ثمنا باهظا دفاعا عن قضاياهم ومهنتهم وحريتهم، وأشار التقرير الصادر عن النقابات الصحافية في العراق، إلى مقتل “455 صحافيا منذ عام 2003، منهم 20 صحافيا خلال عام 2016”.

ويعد العراق من الدول الأكثر خطورة على سلامة الصحافيين في العالم. ويأتي في المرتبة الـ158 بالتصنيف العالمي لحرية الصحافة، وفق “مراسلون بلا حدود”.

18