الإفراط في استخدام الهاتف عادة سيئة قد تتحول إلى إدمان

يقول باحثون “نعلم أنك تحب هاتفك وتكرهه في ذات الوقت، وأنت تكره حبك له وتحب كرهك له، فما العمل إذن؟”، هو سؤال محيّر فعلا عن طبيعة العلاقة الوثيقة التي أضحت تربط الإنسان بوسائل التواصل، على اختلافها وتعددها، ومنها تحديدا الهاتف الشخصي وحالة الإدمان التي بات يسببها لمستخدميه.
الأربعاء 2016/11/02
إدمان يتسبب في شعورنا بالوحدة

هل سبق أن تجاهلت طفلك أو أحد أفراد أسرتك أو صديقك حينما كنت منشغلا بمتابعة صفحتك على فيسبوك؟ هل سبق أن حاولت الرد على رسالة من هاتفك أثناء قيادة السيارة؟ هل سبق لك أن غفوت وأنت لا تزال ممسكا بهاتفك النقال؟ هل شعرت بالقلق يوما ما وأنت مسافر على متن طائرة بسبب عدم مقدرتك على استخدام الإنترنت؟ هل شعرت يوما بتسارع دقات قلبك بسبب القلق ونفاد الصبر وأنت تنتظر ردا على رسالة كتبتها لأحدهم على الواتساب؟

ومن هذا المنطلق، فإذا أجبت بنعم على معظم هذه الأسئلة، فحتما أنت مصاب بالإدمان على هاتفك، كما أنك تعرف جيّدا أنك مدمن عليه، وبالتأكيد فأنت تشعر بعدم الرضا جراء ذلك! هذا ما يقرره متخصصون بعد سلسلة من الأبحاث والمشاهدات والتجارب الشخصية أيضا. وهم يدركون أيضا بأنهم حاولوا جميعا، مثلما حاول آخرون التخلص من هذه العبودية للهاتف، وذلك بإبقائه في حالة “الصامت” أثناء المواعيد أو تناول وجبات الطعام، كما أن هناك من يخير تركه في المنزل والذهاب لزيارة الأصدقاء أو محاولة قضاء إجازة نهاية الأسبوع في مكان لا يقدم خدمة “واي فاي”، وهناك من يخير إغلاقه ووضعه بعيدا عن متناول اليد وفي حالة يأس، أو إعادته إلى الوضع “الصامت”، ثم إلغاء الفكرة ومعاودة تصفحه ثم إبعاده، ثم إعادته وهكذا.

ويقول الدكتور صموئيل فيسيرا، عالم الأنتروبولوجيا الأميركي والأستاذ في قسم الطب النفسي بجامعة ماكجيل الأميركية، إن هناك وصفة بسيطة للتخلص من هذا الإدمان الشائع، حيث تقوم هذه الوصفة على القاعدة ذاتها التي تستخدمها العلوم العصبية في معالجة حالات الإدمان المختلفة. ومن أبرز النصائح التي يقدمها فيسيرا أن على المرء أن يدرك بأن إدمانه ليس على تطبيقات التقنية الحديثة وإنما على ما توفره من ثمار ومكافآت اجتماعية، كالتواصل مع الآخرين وبناء علاقات متنوعة وجميلة لم تكن متاحة في الأحوال العادية. ويضيف أن “هذا الانجذاب لمثل هذه الوسائل من التواصل يعود إلى أسس قائمة في البناء العقلي والوجداني للإنسان”.

وفي الوقت ذاته، هناك الكثير مما قيل عن أن إدمان الإنترنت ووسائل التواصل التقنية تتسبب في شعورنا بالوحدة، حيث يتم التقليل من شأن الطبيعة الاجتماعية لمثل هذه الطرق في التواصل، لكن الأخبار السارّة في هذا الإطار تأتي من أن رغبتنا في الانفلات من تأثير هواتفنا وإصرارنا في التواصل مع الآخرين، حيث أن إدراكنا لطبيعة الدور الذي يلعبه الهاتف في تسهيل هذا التواصل يلزمنا بأن نعي الغاية من استخدامه وهو ما يتطلب منا وعيا حقيقيا وسيطرة كاملة على مجمل التفاصيل بدلا من أن نتركه يسيطر على وعينا وخياراتنا!

باحثون: الانجذاب لوسائل التواصل مع الآخرين يعود إلى أسس قائمة في البناء العقلي والوجداني للإنسان

وفي دراسة حديثة، وجد باحثون أن أكثر من 50 بالمئة من أوقات استيقاظنا نقضيها في تخيل أمور ومحادثات غير واقعية لا تمت إلى المهام التي ننشغل بها في الواقع بصلة، ووجدوا أن جزءا كبيرا من هذه التخيلات تتعلق بسيناريوهات اجتماعية تتمحور حول علاقتنا بالآخرين، وخلصوا إلى أن هذه الآلية من شأنها أن تحدث تعديلات تخدم أغراضا عاطفية مهمة وتلبي تطلعاتنا تجاه الآخرين، الأمر الذي يؤكد أهمية الدور الذي يلعبه الاهتمام المشترك وأن كل ما نفكر فيه ونشعر به مبني على مدى توقعاتنا عن الآخرين وسلوكهم تجاهنا وتجاه الأحداث.

ووفقا لنظرية التطور المعرفي، فإننا نتعلم كيف نرى العالم من خلال وجهات نظر الآخرين ومن دون أن نشعر، فنحن نتبنى نظرتهم هذه في جزء كبير من تفكيرنا وشعورنا وسلسلة قراراتنا. وهذا الشعور المطمئن بأننا متابعون وموجهون من قبل الآخر “الافتراضي”، يلعب دورا مهما في حياتنا الاجتماعية ومنظومة أخلاقنا وهو يشبه، إلى حد ما، ارتباطنا الروحي بفكرة أن هناك “ملاك حارس” يقود خياراتنا في الحياة ويقوم بمهمة توجيه إدراكنا ووعينا وحتى أفعالنا. فحاجتنا إلى استخدام هذه التقنيات بصورة مفرطة أحيانا، تعني بالضرورة حاجتنا إلى التواصل وتبادل الأفكار وإلى أن يرانا الآخرون، فيتأثرون بنا، كما حاجتنا أيضا إلى أن نسمع من هؤلاء وأن نقيّم وأن نراقب أيضا.

ويعتقد متخصصون أن الأمر برمته لا يخرج عن حدوده الطبيعية، فالنظرة العامة مثلا بخصوص صور السيلفي التي يلتقطها البعض، وربما بإفراط، هي نظرة ظالمة، حيث لطالما أتهم هؤلاء بالنرجسية والسطحية في حين يبدو السبب الحقيقي في حب الظهور أمام الآخرين بأبهى صور سببا وجيها. وهذه إحدى الحاجات لتقييم الآخرين لمظهرنا وتلقي القبول والإشادة والإعجاب، حيث تشكل هذه المفردات حجرا مهما في تأسيس احترام الذات والثقة بالنفس، ويتعين على الآخرين أن يتقبلوا ويتفهموا رغبتنا هذه لأنها ببساطة رغبتهم أيضا.

لكن الأمر الأهم يتعلق بصورة خاصة بالإفراط في استخدام الهاتف وسلسلة التقنيات الأخرى ودوامة الانغماس في عوالمها، إضافة إلى مشاعر التوتر والقلق والترقب التي ترافق استخدامها والتأثير السلبي على علاقتنا بالآخرين في محيطنا الاجتماعي الواقعي.

وفي هذا الإطار يرى الدكتور فيسيرا أن الإدمان يتأتى في الغالب جراء التناقض في الرسائل التي تصلنا والتي تتراوح بين “المثير” منها و“المحفز”. والمثير في لغة علم النفس هنا هو ردود أفعال الآخرين على مساهماتنا في منظومة التواصل الاجتماعي، فالسبب الذي يحقق موضوع الإدمان في هذا الإطار يعتمد بالدرجة الأولى على تنوع في المحتويات (المثير- المحفز) وهو ما يحقق بدوره عنصر المفاجأة.

وطالما كانت هناك مستجدات تحفزنا على معرفتها والتعاطي معها، فإن ارتباطنا بمصدرها سيكون في تزايد، إضافة إلى ذلك ومع تعدد مصادر التواصل الاجتماعي فقد يتعرض الشخص إلى مجموعة كبيرة من المحفزات في الساعة الواحدة مثلا، رسائل على البريد الإلكتروني، رسائل واتساب، سنابجات، إنستغرام، فيسبوك وتطبيقات عديدة أخرى لا حصر لها، وقد لا يمثل بعضها أهمية تذكر بالنسبة إلى الشخص المرسل وإلى محتوى الرسالة أو المنشور أو الصور، لكن البعض الآخر قد يمثل أهمية كبيرة، ولهذا السبب تحديدا ونظرا إلى تنوع وتناقض المضمون، فإن الفرص تبدو كبيرة لحصول الإدمان، خاصة لجهة عدم القدرة على الاستغتاء عن التواصل مع هذا العالم المزعج.

21