الإفراط في الطاعة يفسد الأنظمة.. كتاب يؤسس لمرحلة ما بعد الأسد

السبت 2013/10/19
رضوان زيادة: مساهمة في قراءة الثورات

بيروت ـ صدر عن دار رياض الريس كتاب "التحول الديموقراطي.. سوريا نموذجا" للكاتب السوري رضوان زيادة، وهو كتاب يتضمّن مخططات لما بعد سقوط النظام في سوريا، سالكا في ذلك سبيل مقاربات تنهض كافة على العلوم الاجتماعية والعوامل السياسية والثقافية والاقتصادية والجيو سياسية.

في كتاب التحول الديموقراطي.. سوريا نموذجا" يرصد زيادة الظواهر ذات العلاقة بعملية التحول الديمقراطي المقبل، مبرزا تأثير صاحب كتاب "من الديكتاتورية إلى الديمقراطية" بروفيسورعلم الاجتماع الأميركي"جين شارب"(1928) الملقب بـ"مكيافيللي اللاعنف"، وأبرز منظر لفكرة الكفاح السلمي أو المقاومة السلمية بهدف إسقاط الأنظمة الديكتاتورية، من خلال الإيمان بقدرة الناس على التغيير، لكن، شارب لم يكن الأول في ابتكار أفكار المقاومة السلمية، فقد سبقه غاندي بالتأكيد، الذي منه استفاد مارتن لوثر كينغ في صراعه من أجل حقوق السود في الولايات المتحدة الأميركية، ونري ديفيد ثورو، وليو تولستوي وغيرهم، إلا أنه بالتأكيد أول من وضع كل هذه الأفكار في إطار الاستراتيجية السياسية من أجل التغيير السلمي والنضال ضد الديكتاتوريات.

جاءت مقدمة كتاب "التحول الديموقراطي.. سوريا نموذجا" في 47 صفحة، وتحدّث فيها زيادة عن منهج "جين شارب" لتحقيق التغيير السياسي عبر استراتيجية اللاعنف معتمدا على منظور خاص لتحليل القوى من أجل تحقيق التغيير السياسي السلمي، مبتكرا طرائق وآليات من أجل تمكين الناس العاديين من إسقاط أنظمتهم الديكتاتورية، فالمقامومة السلمية حسب ما نقلها زيادة عن "جين شارب" في لقائهما في منزل الأخير في مدينة بوسطن"خيار براغماتي للانتصار.

مع أن البعض يعتبرونها خيارا أخلاقيا أي أولئك الذين يستبعدون استخدام العنف لأسباب دينية أو أخلاقية"، فغاندي آمن باللاعنف لأنه فعال سياسيا وليس لأنه نقي أخلاقيا.


سحب الطاعة


يفصل زيادة رؤية الباحث "جين شارب" لمجموعة عوامل أثرت وتؤثر على حصيلة المقاومة السلمية منها: عوامل اجتماعية وعوامل لها علاقة بالنظام الحاكم وعوامل لها علاقة بالأطراف الثالثة ودرجة تعاطف هذه الأطراف مع أحد المتصارعين "المقاومة أو النظام"، وعوامل أخرى لها علاقة بالمجموعة المقاوِمة، ليصل بنا إلى نظريته الخاصة في المقاومة السلمية المبنية على تحليل مصادر القوة.

وبين رضوان زيادة الفرق بين النظرية الأحادية للقوة التي تفترض أن القوة السياسية من الأعلى إلى الأسفل، والنظرية المتعددة للقوة، وأن هناك ستة مصادر للقوة تشكل المفتاح لفهم طبيعتها التعددية هي الشرعية والموارد البشرية والمهارات والمعرفة وهناك عوامل غير ملموسة، كالدين مثلا، والموارد المادية والعقوبات.

الخوف.. سبب تأخير الاحتجاجات في سوريا

لكن الطاعة هي قلب القوة السياسية وأن الهدف هو دفع الناس إلى سحب طاعتهم للحاكم من أجل إنجاز التغيير ولكن قد نفشل أحيانا بسبب الخوف من العقوبة أو لمنافع شخصية كذلك الالتزام الأخلاقي والتماهي النفسي مع الحاكم ومنطق الراحة أو لضعف الثقة بالنفس.

فالقوة تعتمد على أعمدة دعم داخل أنظمة الحكم الديكتاتورية وهي الجيش والأمن، السلطة القضائية، الوزارات، المؤسسات الدينية، ومجتمع رجال الأعمال، ويتعرض شارب لما يسميه بعض الحقائق المرة المتعلقة بالاعتماد على القوى الخارجية.


الحل البيولوجي


ينبري الكاتب في فصول كتابه السبعة لعرض توصيفيّ للمشهد الدولي في الربـع الأخـير مـن القـرن العشـرين، الـذي تعرض إلى تحـول بفعـل موجـة تغيرات إصابة الأنظمـة السياسية شكلت ما سماه "صموئيل هنتـنغتـون" بـ"الموجــة الديمـقراطيـة الثالثـة".

التي ابتدأت في البرتغال واليونان 1974 ثم أسبانيا 1975، و اتجهت صوب أميركا اللاتينية، وبعدها اكتسحت الدول الشيوعية في الاتحاد السوفيتي وشرق أوروبا إلى أن أثرت بشكل عميق في جنوب أسيا.

لكن وبحسب زيادة "بقيت دول جنوبي المتوسط منيعة أمام موجة التحول الديمقراطي تلك وتراوحت أشكال التسلط فيها إلى نمط الدولة الشمولية التوتاليتارية الكلّانية كما هي حال سوريا".

ويكمل زيادة قوله:"يمكن القول إن الأنظمة السياسة في جنوبي المتوسط حاولت التكيف مع الموجة الثالثة وخصوصا في عقد التسعينات، لكن وفق نمطها الخاص". وهذا ما أطلق عليه زيادة اسم "العقد الضائع".

العقد الذي شهد انفتاحا على أفكار المجتمع المدني واقتصاديا حيث كانت العولمة تفتح فرصا لاحدود لها للمجتمعات في انتقال الأفكار والأموال. لكن المجتمعات العربية كانت بانتظار الحل البيولوجي كما سماه محمد عابد الجابري، الذي تحقق شيء من نبوءته في نهاية التسعينات وشهدت بعض البلدان تحولات لا بأس بها خصوصا المغرب الذي كان قد شهد انفتاحا جديا خلال مرحلة التناوب 1996. أما سوريا وغيرها فكانت بانتظار الحل البيولوجي.

ثم إنه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لاحت أجندة دولية جديدة قدمت الأمن ومكافحة الإرهاب على الإصلاح السياسي ووضع موضوع الديموقراطية وحقوق الإنسان على الأجندة الدولية بشكل صريح وتوجيه انتقادات إلى بعض حلفائها في المنطقة (مصر، السعودية).

إضافة للنشاط الواضح للمعارضة السياسية والمجتمع المدني في العديد من الدول العربية سيما مصر والأردن والمغرب وتأسيس مبادرات سياسية ومجتمعية يطلق عليها "ربيع الديموقراطية العربي، منها ثورة الأرز في لبنان عام 2005".

ويضيف زيادة فشل الغزو الأميركي للعراق فجر جدلا واسعا دوليا حول الاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة لنشر الديموقراطية التي تسعى إلى دعم التحول الديموقراطي وحكم القانون.


ذاكرة الخوف


يقدم زيادة سردا تاريخيا مختصرا لبدايات الربيع العربي الذي بدأ بتونس ولم ينته بسوريا، لينتقل بعد ذلك إلى الحيدث عن الولادة القيصرية للثورة السورية التي تذرع النظام بعدم وصول الاحتجاجات إليه بسبب اختلاف الظروف أو الخصوصية كنتيجة بحسب رضوان "الفهم الخاطئ أن ما بدا بتونس ومصر وليبيا واليمن إنما هو ناتج عن تدهور الظروف الاقتصادية وارتفاع نسب البطالة وفقدان فرص العمل.

الأمر الذي دفع بهم (النظام) إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية غير دائمة مثل زيادة الدعم للمواد الغذائية الأساسية، أو إعطاء زيادة محدودة لدخل العاملين في القطاع العام وغير ذلك، اعتقادا منهم أنهم يطوون صفحة الاحتجاجات الشعبية إلى الأبد".

ويبين زيادة أن ما أخّر الاحتجاجات في سوريا هو الخوف بشكل رئيسي: الخوف من قمع الأجهزة الأمنية التي تفتخر بذلك، إضافة إلى تحفز ذاكرة الخوف التي ترسخت لديه بعد أحداث الثمانينات.

ويضيف "نجاح شباب درعا المحافظة الجنوبية في كسر هذا الحاجز والخروج بعشرات المظاهرات تطالب بالحرية ووصول المظاهرات إلى مدن أخرى، وقدرة الشباب السوري الفائقة على إدراك طبيعة السلطة الحاكمة وإبطال مفعولها السياسي والإعلامي".

ويطرح زيادة مثال الشعارات المرفوعة "خاين يلي بيقتل شعبو" كرد على لغة التخوين التي يستخدمها النظام ضد كل من يقف في وجهه. ويبين زيادة أن استخدام النظام للعنف المسلح ضد المدنيين نقل الثورة إلى مرحلة أطلق عليها اسم "مرحلة اللاعودة". واتجاه المعارضة نحو الحسم العسكري وتشكيل الجيش الحر لتحرير سوريا من نظام عائلة الأسد، وبذلك تحولت ثورة الحرية والكرامة وبناء الدولة المدنية الديموقراطية إلى نزاع مسلح حسب زيادة يسقط فيها المئات يوميا.


المصالحة والتحدي


ولتأكيد أطروحاته في التغيير السياسي، يعرض زيادة تجارب دول شرق أوروبا في عملية التحول الديمقراطي، ويقف عن تجربة تشيكوسلوفكيا كنموذج قريب من الحالة السورية ويتحدث عن عدالة المرحلة الانتقالية وكيفية الوصول إليها في أقل وقت ممكن، ليختم الكتاب بالتحديات التي تواجه سوريا المستقبل وهي وفق وجهة نظر رضوان زيادة محددة بــالإصلاح السياسي والدستوري وتفكيك النظام الشمولي بالاعتماد على عمودين أساسيين هما: المصالحة من أجـل كسب المستقبل واستعادة الثقـة بالمؤسسـات.

والتحدي الثاني هو التنمية الاقتصادية بعد عقود من السياسات الاقتصادية الخاطئة، أما التحدي الثالث فهو تحديث الجيش السوري وتحويله إلى جيش احترافي وأخيرا يرى زيادة ضرورة الانعطاف في السياسات الخارجية على أساس تحقيق مصالح الشعب بدلا من تحقيق مصالح النظام". زيادة حاول تطبيق مقولة شارب "أن التخطيط لمرحلة ما بعد سقوط النظام يجب بحثه ودراسته في وقت مبكر والإعداد له جيدا".

17