الإفطار الماليزي طقس رمضاني يجمع الصائمين في المغرب

رمضان يعد من أفضل الشهور لدى العرب المقيمين في المغرب، منذ ثلاثين عاما أو أكثر، فهم لا يزالون يتذكرون الاستعدادات لهذا الشهر الكريم في بلدانهم الأصلية، وإن غامت الكثير من الذكريات عن الأهل والأصحاب في الوطن في أذهان كبار السن، وهم يروونها لأبنائهم وأحفادهم في كل مناسبة، ولأن شهر رمضان له خصوصية بين الشهور، فإن أيامه بعد الإفطار خاصة، عندما تجتمع العائلة، وتدور الأحاديث عن الوطن الأم وذكريات رمضان فيه.
الجمعة 2015/06/19
الشاي المغربي كلما ازدادت فقاعات الهواء في الكأس كلما عبر ذلك عن جودته

شهر رمضان الكريم أكثر الشهور متعة، لمن يزور المغرب خلاله، خصوصا إذا أصطحب الزائر لهذه البلاد عائلته معه، لما للمغاربة في هذا الشهر من عادات وطقوس لم يألفها المقيمون والزائرون في بلدانهم الأصلية، لم ير العرب شبيها لها في أي بلد عربي أو مسلم آخر.

تتصف طقوس طعام الإفطار الرمضاني في هذا البلد، بأنها مرتبة ترتيبا تصاعديا (مع ساعات الليل)، إذ يبدأ الطبق الأول بعد الآذان لصلاة المغرب، ويكون عادة من حلوى من نوعي “الشباكية” و”البريوات” (أنواع من المعجنات الحلوة المخلوطة بالفستق واللوز والجوز) وكأس الحليب والتمر.

وبعد ساعة يحل وقت تناول الحريرة نوع من الحساء الثقيل المصنوع من مختلف المواد والخضروات، منها سيقان السلق، وما يسمى بنبات الربيع وحبات الحمص، والبيض المخفوق والفاصوليا والقمح والتوابل والمطيبات. ومن يجرب هذا الحساء من العرب غير المعتادين على هكذا حساء يشعر بالشبع فورا، فهو في العادة يحتاج إلى ساعتين ليهضمه فهو عسير الهضم، لكن المغاربة في العادة يعتبرونه من جوهر طعام الإفطار للصائم، إذ من دونه يختل طقس الإفطار، ولا أمل للصائم في اليوم التالي بتحمل جوع الصيام، لأن طبق الحريرة سيبقى في المعدة كما يعتقدون، كبقاء الطعام مخزونا في سنام البعير.

معركة المفطرين

وبعد ذلك يبدأ طقس شرب الشاي الأخضر، الذي يتم إعداده مع النعناع، وأعشاب أخرى تعطيه طعما خاصا، وكلما ازدادت فقاعات الهواء في كأس الشاي، كلما عبر ذلك عن جودة الشاي المقدم، وبراعة من هيأه للضيوف. وتستمر فقرات الإفطار طوال الليل، حتى يبدأ المُفطر بتناول الطعام الأساسي بعد منتصف الليل بساعة، عندما ييأس بعض المتطفلين ويتوقفون عن زياراتهم لغيرهم، ويكون عادة تقديم ذلك الطعام بطبق تراثي يسمى بالكسكسي، وهو نوع من حبات البرغل المتوسطة الحجم مع سبعة أنواع من الخضروات وهي الشلغم، والبطاطا، والجزر، والشجر الأخضر أو ما يسمى بالكوسة، واللهانة، والطماطم، والربيع، مع حمص، وعادة يكون ذلك الخليط من الخضروات والحبوب مع اللحم أو الدجاج.

وتستغرق عملية صنع هذا النوع من الطعام، وإعداده من المرأة المغربية، نهارا كاملا، وكلما تأخرت في إعداده كلما كان مذاق الطعام جيدا.

بعض المغتربين من العرب في المغرب لم يتجانسوا مع طقوس الطعام المغربية، فقد اعتاد الكثيرون منهم على وضع الطعام جميعه وبأنواعه المختلفة، وقت الإفطار أمام المُفطرين، على سماط مفتوح، وتبدأ معركة المُفطرين مع الطعام، حتى بلوغ أقصى غايات الشبع، لتبدأ مرحلة الأوجاع والبحث عن سوائل لتهدئة حريق المعدة وحموضتها.

عراقي نقل عادات وتقاليد رمضانية ماليزية إلى المغرب

واللطيف في الأمر أن بعضهم من الذين تزوجوا مغربيات في هذا البلد، وحاولت زوجاتهم جذبهم، لطريقة وطقوس الأكل المغربي منذ بداية حياتهم الزوجية، لم يجدوا غير الانصياع على مضض لهذه العادات لمداراة الزوجة لا أكثر، لكن أكثر أولئك الأزواج لم يقتنعوا ببقاء الصائم حتى ساعة متأخرة من الليل وهو يلهو بأطباق غير رئيسية، كالحلوى والحساء، والفواكه والخضروات.

وبعد فترة من المعاناة ومحاولة التأقلم استطاع هؤلاء أن يعلموا زوجاتهم المغربيات على طريقة ما يعرفونه من إعداد بعض الوجبات الشرقية، واتباع طقوس المشرق في نوع الأكل المعد، وعادات إعداد الشاي الأحمر بعد الطعام مباشرة، والشاي الأحمر لا يتوفر كثيرا في المغرب، فيستعاض عنه بمغلفات شاي ‘اللبتون’، وبالرغم من غلائه وعدم انتشاره كثيرا في الأسواق وصعوبة العثور على أمكنة بيعه، لكنه يعوضهم شرب الشاي الأخضر، الذي يمثل لبعض العرب المقيمين في المغرب والزائرين نوعا من الدواء العشبي، وليس شايا حقيقيا، يمنع دوخة الرأس ويسهل عملية الهضم بعد إفطار دسم.

إفطار ماليزي

من الطقوس الرمضانية الطيبة التي تعلمها العرب من المهاجرين في دول العالم، هو الإفطار المشترك للعائلات العربية التي تسكن في حومة واحدة (الحومة باللهجة الدارجة المحلية تعني المحلة واحدة) أو في زنقة (في شارع واحد)، إذ يأتي الدور على العائلات بالتناوب طيلة شهر رمضان الكريم، إذ تحمل في كل يوم أسرة من الأسر ما أعدته من إفطار، ليجمع في البيت الذي أتى عليه الدور بإعداد الإفطار الجماعي.

ويتم الإفطار الجماعي والدعاء للأهل في الأوطان بالأمان والسعادة والرفاهية، وصلاح الأحوال والتوسل لله تعالى بالعودة السريعة للأوطان الحبيبة، وإلى رؤية الأهل والأحباب وحج بيت الله الحرام، وممارسة العادات الرمضانية العريقة وسط الأهل والأحباب.

وتعود فكرة الإفطار الجماعي إلى عراقي كان يعيش في ماليزيا، ورأى ما يفعله المسلمون في ذلك البلد من إفطار جماعي، وطوال الشهر الكريم، فلا تعد أي عائلة مسلمة إفطارها في بيتها إلا وتأكله مع مجموع الصائمين. وكذلك مما يشترى من أموال تبرعات جمعت طوال السنة من المواطنين لإعداد إفطارات الجماعية في رمضان من كل سنة، لجميع أفراد المدينة من المسلمين.

ونقل هذا العراقي الفكرة لأصدقائه من العرب في المغرب، فصار الإفطار في المغرب لدى هؤلاء يسمى بالإفطار الماليزي، وهو كما أسلفنا إفطار على الطريقة المشرقية، لكنه يتم بشكل جماعي من تبرعات الأسر بطعام فطورهم، ليشمل جميع الأسر المتقاربة في السكن، أو التي تسكن في محلة واحدة.

ومن طقوس رمضان في المغرب التي آلفها الزائرون والمقيمون بعد صلاة العشاء، ما تؤديه بعض فرق الملحون المغربية من توشيحات غنائية وأمداح نبوية تؤديها فرق شعبية تراثية ترتدي ملابس خاصة مزركشة وطرابيش حمراء اللون، أو عمامات صفراء.

20